وثيقة سرية: سلاح فرنسا يفتك بالمدنيين في اليمن

وثائق عسكرية سرّية تفضح حجم الدعم الفرنسي للسعودية والإمارات في حرب اليمن
مُسند للأنباء - العربي الجديد   [ الإثنين, 15 أبريل, 2019 06:49:00 مساءً ]

"هل يجب وقف بيع السلاح للسعودية؟"، سؤال يتردد منذ أشهر في فرنسا، في محافلها السياسية والعسكرية، الشعبية والإعلامية، من دون أن يجد جواباً من المعنيين، ولا أن يحصل المعارضون للانخراط الفرنسي في الحرب التي تقودها المملكة، ومعها الإمارات، على اليمن، على مبتغاهم، في وقف تزويد الرياض وشركائها بالسلاح.
 
في المقابل، لا تتوانى مواقع إعلامية فرنسية في فضخ تورط بلادها في حرب دموية خلفت آلاف القتلى، وجعلت ملايين المدنيين عرضةً للقصف والجوع والأوبئة، بينهم 1283 طفلاً قتلوا بالضربات الجوية لـ"التحالف" السعودي - الإماراتي وحدها.
 
آخر ما يخرج إلى العلن في هذا الإطار، ما نشره موقع "ميديابارت"، اليوم الإثنين، من معطيات تضمنتها وثائق دفاعية سرّية، تحتوي على خرائط ومعلومات حول حجم السلاح الفرنسي المورد لـ"التحالف" السعودي - الإماراتي، بما يكذب تصريحات مموهة تقدمها باريس حول مدى تورطها في الحرب.
 
وتحت عنوان "فرنسا واليمن: خارطة لكذبة دولة"، يكشف تسريب وثائق مصنفة "سرّا دفاعيا"، الاستخدام الهائل لأسلحة فرنسية في الحرب على اليمن، و"كذبة دولة" في هذا الصدد، هي دولة فرنسا، كما تكتب "ميديابارت".
 
وليست هي المرة الأولى التي يسلط فيها "ميديابارت" الضوء على فضائح فرنسية مرتبطة ببيع السلاح لكل من الإمارات والسعودية. في 28 أيلول/سبتمبر الماضي، وفي إطار ملف عن حرب اليمن، كشف الموقع عن وثائق حصل عليها "ويكيليكس" وتشاركها معه، تفضح الفساد المختبئ داخل صفقات بيع مدرعات فرنسية لأبوظبي. ومن ضمن الملف، برزت مقالات عدة تتحدث عن صمت باريس في وجه جرائم الحرب المحتملة في اليمن.
 
وفي 16 فبراير/ شباط الماضي، انتقد الموقع السلطات الفرنسية لمواصلتها الوقوف إلى جانب السعودية في الحرب ودعم جيشها، ليس فقط بالعتاد، بل بتدريب عناصر له جرى في باريس.
 
اليوم، يعيد "ميديابارت" فتح الملف. وتحت عناوين ثلاثة، الوثيقة السرية التي تكشف أسماء الأسلحة الفرنسية المستخدمة في الحرب، وعنوان وصول شحنة سرية، وحرب التجويع التي تساهم فيها باريس.
 
واعتبر الموقع أن عقود صفقات السلاح التي لا تزال تبرمها باريس مع الرياض، تغذي جدلاً أخلاقياً وسياسياً وقضائياً داخل فرنسا. فالسؤال البديهي: "هل بإمكان فرنسا بيع سلاح لزبون يواصل منذ أربع سنوات استخدامه لقصف المدنيين في اليمن؟"، لكن الموقع يستعيد بتهكم جواب وزيرة الدفاع فلورانس بارلي عن السؤال بقولها "لا علم لدي أن أسلحة فرنسية تستخدم مباشرة في الصراع".
 
وانطلاقاً من هذا الجواب، يستغل "ميديابارت" ما نشره موقع "ديسكلوز" (الكشف)، الإعلامي الفرنسي، الذي أبصر النور حديثاً، والذي حصل على وثائق مصنفة "سرية" تتعلق بالدفاع، وهي عبارة عن تقرير من 15 صفحة كتبه ضباط في جهاز استخبارات فرنسي هو الـDRM، أو إدارة الاستخبارات العسكرية، التابع لوزارة الدفاع والجيوش، حمل عنوان "اليمن – الوضع الأمني"، وأرسل إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وبارلي، وماتينيون (مقر رئاسة الوزراء)، وكذلك إلى وزير الخارجية جان إيف لودريان، وذلك قبيل انعقاد مجلس الدفاع الذي خصص للحرب على اليمن، والذي عقد في الإليزيه، في الثالث من أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
 
ومدعومة بالخرائط والجداول، تكشف الوثيقة للمرة الأولى، ما تحاول الحكومة الفرنسية إخفاءه، وهي لائحة مفصلة للسلاح الفرنسي المستخدم في الحرب على اليمن، من ضمنها مدرعات "لوكلير"، الذخائر المسمارية، مقاتلات "ميراج 2000-9" (المصنعة من قبل "داسو")، رادارات المدفعية كوبرا، الطوافات العسكرية طراز "كوغار" و"دوفان"، ومدافع قيصر Caesar، ومدرعات من طراز "أرافيس" (مدرعة استطلاع ومرافقة مضادة للكمائن، تنتجها شركة "نيكستر")، وغيرها.
 
ويشرح معدو التقرير، بعناية، بحسب "ميديابارت" والبيانات التي نشرها، أن كل نوع تمّ بيعه إلى السعودية أو الإمارات، وأن العديد من الأسلحة التي "صنعت في فرنسا"، تستخدم في الحرب على اليمن، بما في ذلك على المناطق المدنية.
 
وأخذ الموقع مثالاً على ذلك مدافع "قيصر"، التي سلّمت منها فرنسا إلى الآن 123 مدفعاً للسعودية، بحسب معهد "سيبري" السويدي المتخصص في رصد حركة نقل الأسلحة في العالم، علماً أن السعودية تنتظر خلال الأشهر المقبلة المزيد من عمليات التسليم الفرنسية لهذا النوع من المدافع.
 
وتشير خارطة الـDRM، التي تحمل عنوان "شعب تحت تهديد القذائف"، إلى أن 48 مدفع قيصر سعودية توجه أفواهها نحو ثلاث مناطق في اليمن مزروعة بالقرى والمزارع والمدن والمنازل الريفية. وحول مدافع قيصر يرسم معدو التقرير دوائر كبيرة، ولكن هل تقصف هذه المدافع فعلاً المناطق المدنية؟ يقدم التقرير في صفحته الرابعة جواباً عن السؤال بالقول إن "مدافع قيصر تدعم القوات الشرعية والقوات المسلحة السعودية في تقدمها داخل الأراضي اليمنية"، بمعنى آخر إنها تقصف اليمن لفتح الطريق أمام المدرعات التي تغزو البلاد، بحسب "ميديابارت"، التي قاطعت بيانات لمنظمة "أكليد" (armed conflict location)، و"إيفنت داتا بروجكت"، لتخرج بنتيجة أنه بين شهري مارس/ آذار وديسمبر/ كانون الأول 2018، سقط 35 مدنياً قتلى من جراء 52 عملية قصف وقعت داخل الحقل الذي يغطيه نشاط هذه المدافع.
 
المشاركة بحصار اليمنيين
 
ولكن ماذا عن بقية السلاح الفرنسي الذي تستخدمه السعودية والإمارات في الحرب على اليمن؟ بحسب فلورانس بارلي، في إحاطة لها أمام الجمعية العامة (البرلمان الفرنسي)، فإنه، على حدّ علمها، "لا تستخدم الأسلحة الأرضية المباعة للسعودية لأغراض هجومية، بل لأغراض دفاعية على الحدود"، وهو ما أكده مسؤولون تابعون لرئاسة الوزراء في اتصال مع موقع "ديسكلوز"، ما يعني أن المدرعات والدبابات الفرنسية تعمل لحماية الأراضي السعودية من هجمات الحوثيين. لكن هذه الحرب التي وصفت بـ"الدفاعية"، ليست كذلك، كما يشرح عنها التقرير المسرب.
 
وبحسب هذا التقرير، فإن 70 مدرعة "لوكلير" تنشط في هذه الحرب، ومنها 40 تستخدمها الإمارات في مديريتي المخا والخوخة. وبحسب استقصاء للموقع، فقد شاركت "لوكلير" في عمليات هجومية كبيرة لـ"التحالف" السعودي الإماراتي، منها هجوم عبر الخوخة وزبيد باتجاه الحديدة.
 
أما الهجمات الأكثر دموية التي ينفذها هذا التحالف، فتتم عبر الجو، لكن لودريان قال إن فرنسا لا تقدم شيئاً للقوة الجوية السعودية، وهو ما يكذبه "ميديابارت" استناداً إلى وثائقه التي يقول إن النواب الفرنسيين لا يزالون غير مطلعين عليه.
 
وتؤكد الوثائق أن مقاتلات المطاردة السعودية مجهزة بـ"جراب ديموقليس"، وهو جراب استهداف من الجيل الثالث عالي الأداء، يتميز بمحدد ليزر، وتنتجه مجموعة "تاليس" الفرنسية. وتستخدمه السعودية على عدد كبير من المقاتلات التي تملكها، خاصة الأميركية. كما تستخدم هذا الجراب مقاتلات إماراتية صنعت في فرنسا، منها "ميراج 9- 2000"، فيما يذكر التقرير كذلك أن القوة الجوية الإماراتية اشترت صواريخ موجهة فرنسية – بريطانية الصنع من نوع "بلاك شاهين" وصواريخ "أي أي إس أم" الذكية (إنتاج سافران).
 
وتتورط أنواع أخرى من التجهيزات العسكرية الفرنسية مباشرة في الحرب السعودية - الإماراتية على اليمن. مثال على ذلك، "الكوغار"، وهي طوافة عسكرية مقاتلة، تتولى مهمة نقل القوات السعودية، أو ناقلة الوقود "إيه 330 أم آر تي تي" من "إيرباص" (ست ناقلات للسعودية وثلاث للإمارات).
 
وبالرغم من أن وزيرة الدفاع فلورانس بارلي تؤكد دائماً أن رفع الحصار المفروض على اليمن يشكل أولوية بالنسبة إلى الدبلوماسية الفرنسية، فإن وثيقة الـ"DRM"، تؤكد أن سفينتين من صنع فرنسي تشاركان مباشرة في الحصار (يعيد الموقع القراء إلى مقال آخر بعنوان حرب التجويع بإطار الملف ذاته): "الكورفيت" الإماراتية من فئة "بينونة" والفرقاطة السعودية من فئة "مكة" (بنيت على نمط فرقاطات "لافاييت").
 
ويختم الموقع بالقول إن المصالح الفرنسية الاقتصادية تضع فرنسا في موقع يتميز بحالة انفصام. فرنسا تتربع في المركز الثالث ضمن الدول المصدرة للسلاح في العالم، أما السعودية والإمارات فهما ثاني وسادس أكبر زبائنها. لكن باريس هي دولة موقعة على معاهدة تجارة السلاح، التي تمنع الحكومة الفرنسية من السماح بنقل السلاح إذا كان من الممكن استخدامه في ارتكاب جرائم حرب. من جهته، يؤكد التقرير، والإدارة التي أعدته، أنه لا يملك أي معلومات حول استخدامات المعدات الفرنسية في اليمن. هي معلومة محرجة لماكرون، لكن "سرية الدفاع" تغطيها، حتى الآن، بحسب "ميديابارت".
 
من جهته، نشر موقع "ذا انترسبت" معلومات أخرى عن التقرير، الذي حصل بدوره على نسخة منه. وبحسب الموقع، فإن تقرير الإدارة الاستخبارية الفرنسية "انتقد بقوة قدرات السعوديين العسكرية (عدم كفاءتهم)، واصفاً السعوديين بأنهم يعملون من دون فعالية، كما وصف جهودهم لتأمين حدود بلادهم بالإخفاق". ولمحت الوثيقة الاستخبارية، بحسب "ذا انترسبت" إلى أن الدعم الأميركي للسعودية في حربها على اليمن قد يذهب إلى أبعد مما اعتُرف به سابقاً.
 
 




لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات