ناشيونال إنترست: لماذا يشتري حلفاء أمريكا بالشرق الأوسط الأسلحة الروسية؟

ناشيونال إنترست: لماذا يشتري حلفاء أمريكا بالشرق الأوسط الأسلحة الروسية؟
مُسند للأنباء - ترجمة وتحرير: الخليج الجديد   [ السبت, 30 مارس, 2019 08:43:00 مساءً ]

يوضح القرار الحازم الذي اتخذته تركيا وقطر بشراء أنظمة الدفاع الجوي الروسية "إس-400"، مرة أخرى، مدى التحديات المتزايدة التي تواجهها السياسة الخارجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. ولا تعد المسألة ما إذا كان ينبغي على واشنطن مواصلة وجودها المهيمن في المنطقة، ولكن كيف يمكن للولايات المتحدة تحقيق أهدافها الاستراتيجية في بيئة الشرق الأوسط الصعبة.
 
وخلال العقدين الماضيين، كان هناك نقاش محتدم حول مستقبل سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وأصبحت الحجة القائلة إن على واشنطن التوقف عن محاولة السيطرة على المنطقة المضطربة، والانسحاب لإنقاذ الأرواح والثروات الأمريكية، بارزة للغاية، خاصة بعد طفرة النفط الصخري والغاز في الولايات المتحدة، وسط استمرار الاضطرابات في الشرق الأوسط.
 
ومع ذلك، فمن الواضح أن الشرق الأوسط يبقى مهما للغاية بالنسبة للأمن والازدهار في الولايات المتحدة، بحيث لا يمكنها أن تتخلى تماما عن المنطقة.
 
ويعد أحد الأمثلة لإثبات ذلك هو تأثير أسواق النفط العالمية على أسعار الغاز المحلية في الولايات المتحدة. ويتعين على الولايات المتحدة إعادة تعديل سياستها في المنطقة التي لم تعد تعمل فيها العديد من الأدوات التي كانت موثوق بها تاريخيا.
 
ومن الأمثلة على ذلك الاهتمام الإقليمي بنظام الدفاع الجوي الروسي "إس-400". وفي 5 مارس/آذار 2019، أكدت وزارة الخارجية مرة أخرى أن واشنطن حذرت تركيا من أن "استحواذها المحتمل على نظام الدفاع الجوي "إس-400" سيؤدي إلى إعادة تقييم مشاركة تركيا في برنامج "إف-35"، ويخاطر بإمكانية مراجعة أي بيع آخر في المستقبل إلى تركيا.
 
ومع ذلك، لم تنجح التحذيرات المستمرة في تغيير قرار أنقرة بشأن شراء "إس-400". وأكد وزير الخارجية القطري، الشيخ "محمد بن عبدالرحمن آل ثاني"، أن بلاده تواصل فحص شراء نظام الدفاع الجوي الصاروخي الروسي "إس-400". ويعني هذا أن اثنين من الحلفاء الرئيسيين للولايات المتحدة في المنطقة قد يكونان مهتمين بشراء نظام صاروخي من خصم جيوسياسي للولايات المتحدة.
 
ويمكن للمرء أن يلاحظ أن هذا التطور يؤكد الجودة العالية لمنتجات صناعة الدفاع الروسية. وعلى الرغم من كل التصريحات التي تشير إلى كون روسيا مجرد "محطة وقود"، إلا أن البلاد لا تزال رائدة عالميا في هذا القطاع الدفاعي عالي التقنية، على قدم المساواة مع الولايات المتحدة.
 
ولا تساعد التصورات المبسطة حول روسيا السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط وأماكن أخرى. ومن المفارقات أن ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان"، وهو حليف آخر للولايات المتحدة في المنطقة، قد أدرج تطوير صناعة الدفاع السعودية ضمن برنامجه الطموح للتحديث، الذي يهدف إلى تنويع اقتصاد المملكة. وقد امتدحت وسائل الإعلام الأمريكية هذا البرنامج بشكل مكثف. لكن روسيا لا تحتاج إلى برنامج مماثل، حيث إن صناعة الدفاع في موسكو، تاريخيا، هي أحد أركان الاقتصاد الروسي. ومن الواضح أن اهتمام الشرق الأوسط بالأسلحة الروسية من المرجح أن يؤدي إلى خسائر في صادرات الدفاع الأمريكية.
 
وبالعودة إلى الانهيارات الجيوسياسية في شؤون الشرق الأوسط، يمكن للمرء أن يلاحظ أنه مهما زادت أو قلت نقاط قوة موسكو في المنطقة، تظل واشنطن في حاجة إلى تحديث ترسانتها السياسية.
 
ومرة أخرى، تعد قضية شراء تركيا لمنظومة "إس-400" مثالا بارزا. ويذكر خبراء دبلوماسية القرن الماضي تحذيرات بكين المستمرة للاتحاد السوفييتي وأمريكا، لكنها لم يكن لها أي عواقب وخيمة على أي من القوتين العظميين، حيث لم تول أيا من موسكو أو واشنطن الكثير من الاهتمام لتوجيهات الصينيين.
 
ويرى الجميع أين هي الصين اليوم. وتخاطر واشنطن بتكرار الأمر في الوقت الذي تحاول فيه تحذير حلفائها من شراء طائرات "إس-400".
 
ومما لا شك فيه، يمكن للولايات المتحدة زيادة الضغط على أنقرة لمحاولة جعل تركيا تلغي الصفقة. ومع ذلك، في هذه الحالة، قد تجد الولايات المتحدة نفسها في مواجهة واسعة النطاق مع حليف داخل منظمة حلف شمال الأطلسي "الناتو"، في الوقت الذي يعد فيه تعاون تركيا ضروريا لمعالجة مجموعة من القضايا المهمة، بدءا من مستقبل سوريا إلى صادرات روسيا من الطاقة إلى أوروبا، مرورا بمبادرة "الحزام والطريق" الصينية، فضلا عن التعامل مع طموحات إيران النووية والصاروخية.
 
علاوة على ذلك، يغلف التناقض هذا الموقف بشكل متزايد. وباستثناء إيران وسوريا، تعد كل دولة شرق أوسطية تقريبا حليف لأمريكا رسميا. ومع ذلك، لا يساعد هذا دائما في تحسين قدرة أمريكا على تحقيق أهدافها. ويضغط اللاعبون الإقليميون لأجل تحقيق أجنداتهم السياسية الخارجية ضد خطط الجيران.
 
وخلال المؤتمر الصحفي في 4 مارس/آذار 2019، أكد وزير الخارجية القطري على أن بلاده تدرس الصفقة مع روسيا، على الرغم من احتمال رفض السعودية، قائلا "إنها ليست من شأنهم". وهكذا، ذكّر الجميع بأن الدولة الصغيرة، "قطر"، قادرة على الصمود أمام الضغوط السعودية التي تدعمها غالبية العالم العربي.
 
ولا ينبغي للمرء أن يفاجأ بأن المملكة العربية السعودية نفسها قد أبدت اهتمامها بنظام الدفاع الجوي الروسي، خاصة وأن هذا النظام قد أثنى عليه العديد من الخبراء.
 
وتعني هذه التطورات أن دولتين خليجيتين، كلاهما حليفان مهمان بالنسبة للأمن الأمريكي، تفكران في شراء أسلحة روسية كجزء من المواجهة بينهما. ومن الصعب التفكير في النقطة التي يجب أن يبدأ من عندها صانعو السياسة الخارجية في الولايات المتحدة حل هذا اللغز.
 
وبالإضافة إلى ذلك، فإن احتمال فرض عقوبات أمريكية كأداة لتغيير رأي "رجب طيب أردوغان" في التعامل مع روسيا يجلب مجموعة أخرى من المشاكل.
 
وبعد قرار "ترامب" العام الماضي بالانسحاب من صفقة إيران النووية، لا يحتاج العالم إلى تذكير إضافي بأن واشنطن مستعدة لاستخدام قوتها الاقتصادية للوصول إلى أهداف السياسة الخارجية بطريقة قسرية.
 
وهنا قد تضيف الولايات المتحدة، التي تضغط على تركيا، مزيدا من الذخيرة لنداءات روسيا لإنشاء آليات دولية لمواجهة قدرات العقوبات الأمريكية. وإذا بدأ هذا النوع من التعاون الدولي ضد الأدوات الاقتصادية الأمريكية المستغلة في السياسة الخارجية، فستكون انعكاساته أبعد من الشرق الأوسط أو العلاقات الأمريكية الروسية.
 
باختصار، يمكن للمرء أن يستنتج أنه في الوقت الحالي تفتقر واشنطن إلى الوسائل اللازمة لوقف شراء تركيا لأنظمة الدفاع الجوي الروسية "إس-400".
 
وإذا اتبعت دول أخرى في الشرق الأوسط تركيا كمشترين للمنظومة الصاروخية الروسية، فسيكون من الواضح أن الولايات المتحدة بعيدة كل البعد عن أن تكون قوة لا يمكن مجابهتها في المنطقة. والسؤال الأكبر الآن هو كيف سيكون رد فعل صانعي السياسة في الولايات المتحدة على هذا التغيير التكتوني لمكانة أمريكا في الشرق الأوسط، الأمر الذي سيكون بالغ الخطورة بشأن ازدهارها وأمنها.



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات