عقدة الإيغور التركية.. هل يخسر أردوغان بكين بسبب معتقلات المسلمين بالصين؟

عقدة الإيغور التركية.. هل يخسر أردوغان بكين بسبب معتقلات المسلمين بالصين؟
مُسند للأنباء - ميدان   [ السبت, 02 مارس, 2019 01:33:00 صباحاً ]

في المعتاد وبطبيعة الحال، لا يتمتع  المسؤولين الأتراك بنفس الثقل والزخم الإعلامي الذي يصاحب رئيس الجمهورية "رجب طيب أردوغان"، وهو زخم يرافق تصريحاته سواء تلك التي تنطلق من خلفية حقيقية على أرض الواقع أو تلك التي تصنف في الإطار الدبلوماسي البحت، ورغم تلك الحقيقة البديهية إلا أنه لا يمكن لأحد تجاهل خط سير الدبلوماسية التركية التصاعدي خلال فبراير/شباط الحالي تجاه قضية أقلية "الإيغور"، وهو خط سير أتت أحدث إضافاته يوم الاثنين الموافق 25 فبراير 2019 على لسان الوجه الرسمي للدبلوماسية التركية "مولود أوغلو" وزير الخارجية، في كلمته بافتتاح الدورة الأربعين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، مطالبًا الصين بـ «احترام حقوق الإيغور في خضم تقارير الانتهاكات المثيرة للقلق»، مع إقرار أنقرة بما أسماه «حق الصين في مكافحة الإرهاب».
 
منذ عام 2017، بدأت التقارير الصحافية والحقوقية تتوالى عن قيام الصين باحتجاز الآلاف من الأقلية المُسلمة المنتمية للعرق التركي والمعروفة باسم "الإيغور"، والمتمركزة بإقليم "شينجيانغ" شمال غربي الصين، في مراكز احتجاز ضخمة أقيمت خصيصا لأجل ما تسميه بكين بـ «إعادة تأهيل الإيغور»، وهي مراكز تعتبرها الصين «تعليمية» بينما يراها الإيغور على أنها مراكز "تغيير عقل وهوية"، حيث تقوم الحكومة الصينية فيها بحسب شهادات بعض الناجين بتجريدهم من ثقافتهم وتراثهم الإسلامي الخاص لأجل إنتاج صورة جديدة يُعرّفون أنفسهم من خلالها كصينيين أولا وقبل كل شيء.
 
وبالرغم من توالي التقارير الحقوقية التي تُفيد بأن عدد الإيغور المحتجزين بمثل هذه المراكز قد وصل تقريبا لمليون فرد يخضعون لعملية "غسل مخ" منظمة، تتضمن التعذيب والإكراه على بعض العادات المخالفة لعقيدة الإيغور الإسلامية، كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير وترديد العبارات المؤيدة للحزب الشيوعي الصيني، رغم ذلك فإن الإدانة الدولية النادرة لمراكز الاحتجاز الصينية لم تكن على قدر كبير من التأثير مع قلتها وخفوتها، إلا أنه وفي التاسع من فبراير/ شباط الحالي أعلنت إحدى الصحف التركية عن وفاة(1) الفنان "عبدالرحمن هييت" بأحد مراكز الاحتجاز الصينية المذكورة.
 
أُلقي القبض على "هييت" عام 2017 في مدينة أورومتشي، عاصمة شينجيانغ، على خلفية اتهامات تتعلق بإحدى أغنياته والمسماة بـ "Atilar" أو "الأجداد"، وبالرغم من أن كافة أغاني هييت كانت قد نالت موافقة(2) الحكومة الصينية، كما صرحت الفنانة الإيغورية "رحيمة محموت"، فإن أحدا لا يدري على وجه الدقة السبب الذي من أجله تم القبض على هييت والحُكم عليه بالسجن لثماني سنوات، كان قد قضى اثنتين تقريبا منها، قبل الإعلان غير المؤكد عما إذا كان قد توفي بالفعل أم لا. وكان الخبر ليمر مرور الكرام على اعتبار عدم بروزه مقارنة بأخبار الساحة الدولية الأخرى، لولا بيان أصدرته وزارة الخارجية التركية في اليوم التالي مباشرة تُدين فيه ما أسمته بـ «سياسة الإدماج المنهجي التي تمارسها السلطات الصينية على الإيغور الأتراك»، وأضافت الوزارة التركية أنها ترى في تلك السياسة «إحراجا كبيرا للإنسانية»، حد وصف(3) المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية "هامي أكسوي".
 
لسنوات طويلة ماضية، اُعتبرت تركيا هي المدافع الأول عالميا عن حقوق الأقلية الإيغورية بالصين، ولأسباب معدودة، ذكرتها صحيفة "وول ستريت جورنال"، يأتي على رأسها صلة القرابة التي يرتبط بها القوميون الأتراك مع الإيغور الصينيين معتبرين إياهم جزءًا لا يتجزأ من عائلة تركية عرقية كبيرة ممتدة عبر الحدود، ضمن النطاق الجغرافي المعروف بـ "أوراسيا" والذي يضم دولا من أوروبا وآسيا تنتشر فيها أقليات الإيغور عبر الحدود، وتجمعهم الديانة الإسلامية واللغة القريبة من التركية (تعد إحدى لهجاتها).
 
لكن تلك العلاقة بين تركيا والإيغور واجهت العديد من التحديات على مر السنوات الماضية، خاصة مع النمو المتزايد للعلاقات التركية-الصينية التي تجعل من البديهي التساؤل عما سيكون الموقف التركي عليه مستقبلا حينما تتعارض مصالحها الاقتصادية والسياسية مع موقفها من الإيغور «أبناء العشيرة» كما يطلق الأتراك عليهم، وهو موقف واجه تحديا صعبا منذ عامين بالفعل، وبالتحديد حينما أعلنت الحكومة التركية عن القبض على اثنين من الإيغور الصينيين يشتبه في تورطهما بعملية تفجير ملهى إسطنبول الشهيرة، ليلة رأس السنة عام 2017، إلا أن الموقف التركي الدبلوماسي والفعلي مازال يستحق الرصد والاستشراف، خاصة مع الموقف السعودي المفاجئ وغير المعتاد والذي عبر عنه ولي عهد المملكة "محمد ابن سلمان" أثناء زيارته للصين منذ أيام قليلة، وهو موقف صدم الإيغور الذين انتظروا الكثير ممن يُعد "خادم الحرمين الشريفين" القادم -حتى الآن- في خضم معاناتهم مع قبضة النظام الصيني «القمعية».
 
تأسيس: متى بدأت معاناة الإيغور؟
كانت أقلية الإيغور قبائل متفرقة تعيش في منغوليا(4) قبل أن يستقر بهم المقام في القرن الثامن الميلادي في إقليم شينجيانغ الصيني، وهو إقليم ظل لقرون لاحقة محل صراع وسيطرة متبادلة(5) بين سلالة تشينغ و"أمراء الحرب" الصينيين. إلا أنه وفي مطلع العام 1940، وبمساعدة الاتحاد السوفيتي، استطاع الإيغور التمرد وفرض سيطرتهم على الإقليم وإعلان قيام دولة "تركستان الشرقية" المستقلة عن الصين.
 
لم يتجاوز عمر الدولة الناشئة حديثا خمس سنوات أو أقل قليلا قبل أن تستعيد بكين مرة أخرى سيطرتها على الإقليم بمساعدة سوفيتية أيضا، وكان الاختلاف الذي حدث حينها هو أن الصين قد أصبحت تحت زعامة "ماو تسي تونج"، الرئيس الشيوعي التاريخي ومؤسس الصين الشعبية الحديثة، وهو الذي وضعت سياساته الإيغور وأقليات أخرى تحت المطرقة الأمنية الثقيلة للحكومة الشيوعية الجديدة.
 
تسببت السياسات الشيوعية في هروب الآلاف من "الإيغور" للدول المجاورة، وهي دولٌ كانت جزءً من الاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت، وأتى النزوح الجماعي نتيجة لمحاولة الصين القضاء على الثقافة الإيغورية بكل ما يعنيه هذا من طمس للغتهم وعاداتهم وتراثهم وعقيدتهم الدينية. ثم بدأت مرحلة جديدة من محاولات فرض السيطرة الشيوعية على إقليم شينجيانغ، وتمثلت المحاولات في تنظيم هجرة "الهان" الصينيين إلى تركستان الشرقية لإقامة أغلبية عرقية تتجاوز الإيغور في الإقليم المعروف بأهميته الحدودية للصين، كما هو معروف أيضًا بثرواته الطبيعية من فحم ونفط وغاز طبيعي.
 
كيف ارتبط الإيغور الصينيون بتركيا؟
لم تتوقف علاقة الأتراك مع الإيغور عند حدود القرابة فقط، فعند انفصال تركستان الشرقية طويل المدى عن الصين في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، كانت أنقرة هي الحليف الأهم(6) للإيغور حينها بمحاولة مساعدة الدولة الناشئة على الوقوف والاستمرار، وإن لم يدم الأمر طويلا في تلك الفترة، فقد استمرت تركيا فيما بعد ذلك بتقديم ملاذ آمن للإيغور الهاربين من الاضطهاد العرقي في الصين، وشمل ذلك قادة الإيغور من أمثال "عيسى يوسف ألبتكين" المعارض الذي تولى الدفاع عن قضية تركستان الشرقية محليا وعالميا حتى وفاته عام 1995 بالعاصمة التركية اسطنبول.
 
استمرت تركيا على حالها في استقبال الإيغور الفارين من الأوضاع الصعبة الصينية منذ مطلع الخمسينات تقريبا، وفي عام 1965 قامت بتأسيس مجتمع محلي للإيغور في مدينة "قيصري" حيث يتمركز أغلب الإيغور بتركيا الآن، وكان ذلك بعد أن أرسلت طائراتها لإنقاذ 200 من الإيغور على حدود العاصمة الأفغانية كابول، بعد أن هربوا من الصين لأفغانستان سيرًا على الأقدام.
 
بحلول التسعينات، ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، بدأ الإيغور في اللجوء إلى دول الجوار المنفصلة عن السوفييت، والتي كانت تأوي بالفعل أقليات من الإيغور سواء نشأوا بها أو هربوا إليها من الصين، الأمر الذي جعل التخوف الصيني من انفصال إقليم شينجيانغ يزداد بتكون هذه المجتمعات الموالية له على حدودها، وهو ما ازداد معه بشكل طردي كلا من الهجرة المنظمة لـ "الهان" الصينيين للإقليم، وكذا الاضطهاد العرقي لأهالي الإقليم الإيغوريين، الأمر الذي كاد يصل لحرب أهلية جديدة في الصين بحلول عام 2009، وكاد كذلك أن يصيب العلاقات الصينية التركية، الناشئة في ذلك الوقت، في مقتل.
 
ماذا عن العلاقات الصينية التركية؟
في أغسطس/آب 1992 تم توقيع بروتوكول التعاون الصيني التركي المشترك(7)، والذي شكل حجر الأساس في نشأة العلاقات بين كلا الدولتين في المجالات الاقتصادية والتجارية والعسكرية فيما بعد، وفي العام نفسه تم تشكيل "مجلس الأعمال الصيني التركي" والذي يشهد اجتماعات دورية لرجال الأعمال من كلا الدولتين لأجل تحسين العلاقات التجارية بينهما، ولمناقشة المشكلات التي تقف عائقا أمام إنشاء تجارة حرة بينهما.
 
أخذت العلاقات بين الدولتين منحىً تصاعديًا منذ ذلك العام وما بعده، ففي عام 1995 زار الرئيس التركي حينها "سليمان ديميريل" بكين بمرافقة وفد من رجال الأعمال الأتراك، الأمر الذي تكرر بعد ذلك تقريبا في عهد كل رئيس تركي، مرورا بالرئيس السابق "عبدالله غول"، وليس انتهاءً بالرئيس الحالي "رجب طيب أردوغان" الذي زار تركيا كرئيس وزراء عام 2012، وهي زيارة أتت مقابل زيارة قبلها لتركيا في أوائل العام نفسه للرئيس الصيني الحالي تشي جين بينج، والذي كان نائب الرئيس الصيني حينها.
 
شكلت هذه الزيارات محورا لإقامة علاقات اقتصادية جعلت من الصين فيما بعد ثاني أكبر شريك تجاري(8) لتركيا عالميا، والأول في شرق آسيا، وبقيمة استثمارات كلية بلغت ما يعادل 26 مليار دولار أمريكي بحلول نهاية العام الماضي، في مجالات مختلفة كالطاقة والبنية التحتية والاتصالات والثروة الحيوانية، وهو رقم يستهدف البلدان رفعه للضعف مستقبلًا ليصل إلى 50 مليار دولار بشكل مبدئي.
 
وعلى الرغم من استمرار العلاقات التجارية بين الصين وتركيا بطريقة شبه مستقرة منذ نشأتها، فإن عدد من الأزمات كاد أن يصيب هذه العلاقات بالشلل، وفي مناسبات عدة كانت العلاقات التركية بالإيغور محورا رئيسًا لهذه الأزمات، وفي المقابل كان «القمع الأمني»، بوصف المنظمات الحقوقية الرئيسة الدولية والذي تمارسه الحكومة الصينية ضد الإيغور؛ كان ذلك القمع ليس فقط محلا لانتقادات الحكومة التركية بين حين وآخر، ولكنه أدى كذلك لإثارة انتقادات الإيغور(9) أنفسهم للعلاقات الناشئة بين موطنهم الآمن في تركيا وبين الصين، مع تساؤلاتهم عما إن كانت هذه العلاقات قد تحرمهم يوما من أبرز ملجئ آمن عالمي لهم.
 
وقد أتت واحدة من أهم الأزمات التي كادت أن تعصف بالعلاقات التركية الصينية عام 2009، عندما اشتعلت أحداث العنف(10) في إقليم شينجيانغ على خلفية مقتل اثنين من الإيغور في صدام جرى بينهم وبين صينيي الهان بأحد المصانع الصينية هناك، صدام تحول لمظاهرات وأحداث عنف قُتل فيها مائتي شخص تقريبا وأُصيب مئات آخرين. ووقتها، أجرت الحكومة الصينية تعتيما إعلاميا شبه كلي على حقيقة ما جرى بالفعل، مُتهمة الإيغور بـ «إشعال الخلاف» الذي تسبب في أعمال العنف، وإلى جانب العنف الأمني الصيني أثناء محاولات فض الاشتباك الحادث، فإن حملات الاعتقال الأمنية وأحكام الإعدام التي شهدتها شينجيانغ خلال الأحداث وبعدها كانت هي الأخرى لا تقل وطأة عما جرى، مما أطلق رد الفعل التركي الأكثر حدة على النظام الصيني وقتها عالميًا.
 
لم يكن المناخ التركي وقتها متساهلًا كثيرًا مع الصين، حيث قد أكثر من ستين عضوًا تركيًا في لجنة الصداقة الصينية-التركية استقالتهم اعتراضًا على ما يحدث، وطالب وزير الصناعة التركي وقتها بمقاطعة البضائع الصينية، أما أردوغان فقد صعّد من رد الفعل التركي بقوله إن الصين «ترتكب إبادة جماعية، ولا فائدة من وصف ما يحدث بأي وصف آخر»، وهو وصف وردود أفعال لم تتقبلهم الصين بصدر دبلوماسي رحب بطبيعة الحال، وسرعان ما خرجت افتتاحية التحرير لصحيفة "الصين اليوم"، الصحيفة الحكومية، لتطالب أردوغان بسحب تصريحاته منبهة إياه بألا «يلوي عنق الحقائق».
 
لم تقبل الحكومة الصينية أيضًا ما وصفته بـ «ازدواجية(11) المعايير» في إشارتها للانتقادات الدولية النادرة وفي القلب منها الانتقادات التركية الأعلى صوتًا، لكن الأمور بالنسبة للإيغور وقتها لم تتجاوز نطاق تلك الإدانة الدولية من بعض الحكومات ومنظمات حقوقية عدة حول العالم، ولم يكن مستبعدا في ظل أعمال العنف التي شهدتها الصين أن تزداد قبضتها الأمنية قوة على الإيغور بعد ذلك، وقد حدث ذلك بالفعل بعد أحداث الربيع العربي عام 2011 خوفا من امتداد موجة التظاهر للإقليم أو نشوء مطالبات جديدة بالانفصال، لكن ما لم تتوقعه الحكومة الصينية أو التركية حينها هو أن يترك بعض الإيغور كلاً من الصين وتركيا في طريقهم إلى «الجهاد» في سوريا والعراق وأفغانستان.
 
هل الإيغور «إرهابيون» حقًا؟
لم يترك النظام الصيني فرصة في أي مكان لإعلان أي شكل من أشكال تورط بعض الإيغور فيما يطلق عليه «الجهاد الإسلامي المسلح» في دول عدة تأتي سوريا على رأس قائمتها، لذا فقد أتت تفجيرات الملهى الليلي بإسطنبول مطلع عام 2017 كفرصة مثالية لبكين لدفع أجندتها الإعلامية المضادة، خاصة بعدما وضعت السلطات الأمنية التركية بعض أفراد الإيغور القاطنين بتركيا ضمن قائمة المشتبه بهم والتي ضمت حزب العمال الكردستاني وأقليتي القرغيز والتركمان، ثم أتى اعتقال بعض الإيغور بتركيا للاشتباه ليزيد من الترويج الصيني، رغم أن المشتبه به في النهاية والمنتمي لـ "تنظيم الدولة الإسلامية" كان أوزباكستانيًا.
 
لكن القبول الصحافي الغربي لفكرة انتشار «المد الجهادي» كما سمي من أطراف آسيا للشرق الأوسط ساعد كثيرًا في دفع الاتهامات الصينية للإيغور بشكل عام وبلا تخصيص للعناصر الاستثنائية المتمردة، ثم أتت الاعتقالات التركية المذكورة لتثير تساؤلات حول تغيرات عكسية محتملة في الفترة ما بين إعلان "أردوغان" مساندته للإيغور في زيارة 2012 للصين، وهي زيارة خصص جزءً منها لزيارة تركستان الشرقية، بجانب تاريخ الأتراك الحافل بمساندة الإيغور، وبين عام 2017 وما تلاه من قلق تركي شبه دائم من العمليات العنيفة المحتملة على أرضها بين المدنيين، وهي تساؤلات استغلتها الصين جيدًا في بناء أجندتها الدعائية المضادة بمساندة أحد أهم مشاريعها القومية المستقبلية: طريق الحرير"
 
لفهم الأمر أكثر، فقد بدأت بكين عام 2013 مشروعها العالمي لإحياء طريق الحرير القديم من جديد تحت شعار «حزام واحد-طريق واحد» (12)، وهو مشروع سيربط ثلاث قارات (آسيا وإفريقيا وأوروبا) بشبكة عملاقة من الطرق البرية والسكك الحديدية باستثمارات تبلغ عشرات المليارات من الدولارات في دول عدة بدأت بكين ببسط نفوذها فيها، واستغلت رغبة بعض الدول في أن تصبح جزءً من المبادرة العالمية لتحقيق بعضًا من مصالحها الخاصة، وهي مصالح أتى الإيغور كجزء رئيس منها، فضلًا عن ارتباط إقليم "شينجيانغ" نفسه بالمبادرة العالمية كونه جزءً هاما من طريق الحرير القديم وبالتبعية من الطريق المستقبلي الجديد، ما وضع الإيغور بين المطرقة والسندان.
 
بدأت الصين، وبموجب النفوذ الجديد الناشئ والمتصاعد ببطء، ضغطا عالميا(13) على دول الجوار السوفيتية سابقا وعلى دول أخرى كماليزيا وتايلاند والدول المرتبطة بمبادرة طريق الحرير عمومًا لأجل تسليم الإيغور النازحين إليهم، وأدت تلك المطالبات وبعض الاستجابات من تلك الدول بدفع الإيغور للبحث عن دول أخرى للفرار من القبضة الأمنية الصينية، ولما كانت الخيارات تكاد تكون منعدمة أدى ذلك بالفارين إلى أفغانستان ومنها إلى العراق وسوريا وغيرها من دول الصراع الشرق أوسطية.
 
وبرغم الاتهامات الصينية غير المثبتة بحال نظرًا لتعميمها على كامل الإيغوريين، فإن سُمعة أفراد الإيغور المعدودين بين الجماعات المسلحة في سوريا بالأخص يمكن وصفها بـ «الطيبة»، إذ أنهم «يهتمون بشؤونهم الخاصة ولا يفرضون الضرائب على الناس»، إضافة لكونهم «موضع قبول شعبي» عن المقاتلين من مناطق أخرى، كما يصفهم "مهند الحاج علي" في قطعته البحثية(14)  على موقع مركز كارنجي للدراسات، وهي صورة تخالف بالكلية ما يحاول النظام الصيني الترويج له دائمًا حتى في إطار المنضمين للجماعات المسلحة بالفعل.
 
لم يكن طريق الحرير هو الوسيلة الوحيدة لبناء الأجندة الصينية الدعائية المضادة للإيغور، وقد أتت محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة بتركيا عام 2016 لتمثل نقطة أخرى محورية في أزمة الإيغور بالصين، إذ أن المحاولة، والتي أعقبها فجوة في العلاقات التركية بالغرب(15) الذي تراوحت ردود أفعاله ما بين الصمت أو تأييد الانقلاب بشكل ضمني وعلى رأسه الولايات المتحدة؛ كانت تعني بطريقة أخرى توجه أنقرة بشكل أكبر ناحية بكين، لدرجة هددت معها الأولى في أكثر من مناسبة بسحب طلبها للانضمام للاتحاد الأوروبي مقابل أن تحصل على عضوية كاملة بمنظمة شنغهاي للتعاون، وهي منظمة شرق آسيا الرئيسة والتي أصبحت تركيا شريكًا فاعلًا بها من غير الأعضاء عام 2012.
 
إذن تضغط الصين باستخدام أوراق لعب متعددة، بدءً من تعميم استثناءات إيغورية في الانضمام للجماعات المسلحة محاولة اسقاطها على كامل الإيغوريين بلا دلائل حقيقية، وهي استثناءات ربما لم تكن لتوجد لولا استعمال بكين لورقة ضغط طريق الحرير التي سدت بها أغلب منافذ نزوح الإيغور، ومرورًا باستغلالها لورقة الاستعداد الغربي الدائم لقبول نظرية انتشار أي مد "جهادي" في أي مكان وفي أي وقت، وهو قبول وصل في بعض أحيانه لاقتناع عدد لافت من الأمريكيين بوجود «مد للشريعة الإسلامية» ينتشر داخل الولايات المتحدة، وليس انتهاءً باستغلالها لورقة العلاقات المتوترة بين أنقرة والغرب في الثلاثة أعوام الأخيرة لتعميق الشراكات الثنائية مع الأولى مقابل الضغط عليها في ملف الدفاع عن الإيغور.
 
تركيا والإيغور.. إلى أين؟
ضمن تحقيق(16) أجرته هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، وبالاستعانة بصور الأقمار الصناعية وبفريق قام بزيارة إقليم شينجيانغ محاولا استكشاف الحقيقة حول مراكز الاحتجاز الصينية، دون أن يصل الفريق إلى الكثير داخل الإقليم، فإن الصور قد أوضحت بناء العديد من المنشئات الضخمة ما بين أعوام 2015 و2018، وهي منشئات يرجح أنها مراكز احتجاز واعتقال وربما سجون عملاقة تتسع لما يقدر بـ 130 ألف معتقل، وأتى التحقيق ضمن طرق نادرة حاولت دحض الإنكار الصيني الرسمي لوجود مثل هذه المعتقلات.
 
ويعتقد أن هذه المعتقلات ليست سوى جزءً من منظومة متكاملة تسعى بها الصين لمحو هوية الإيغور بشكل كامل، وتتضمن تلك المنظومة أيضًا منع ارتداء الحجاب أو إطلاق اللحية(17)، وإغلاق المساجد وحظر الصلاة والصيام، وغيرها مما يتعلق بمحو كل ما يرتبط بالهوية الإسلامية من جهة وبالتراث الإيغوري من جهة أخرى، وفي ظل صمت الدول الإسلامية الكبرى مثل السعودية وباكستان عما يحدث للإيغور في الصين، خاصة بعدما أعلنها ولي العهد السعودي صراحة أثناء زيارته لبكين منذ أيام قليلة بأنه «من حق الصين مكافحة الإرهاب وتطهير الدولة من التطرف» حد تعبيره، بلا أي إشارة للإيغور الذين كانوا ينتظرون رد فعل سعودي واضح ومساند لهم، في ظل ذلك فإن تركيا تمثل ما يمكن اعتباره طوق النجاة الأخير لبعض الإيغور الذين بدأوا بالفعل منذ زمن في التوجه لدول كـ "سوريا"(18) لأجل إيجاد طريقة لتعلم الدفاع عن أنفسهم وممارسة العمل المسلح، وربما العودة إلى الصين فيما بعد لـ «مقاومة القمع الصيني» كما جاء في تقرير وكالة أسوشيتد برس الحصري.
 
لكن الدفاع التركي الدبلوماسي في معظمه لم يمنع ما وصفه بعض الإيغور بـ «خيبة الأمل» جراء اكتفاء أنقرة بإدانة الأفعال الصينية دون أن ترفع مستوى الإدانة لمستوى أعلى وأكثر تأثيرًا، وهو اكتفاء يرجع في جزء منه على ما يبدو كون الصين هي الملاذ الوحيد أمام أنقرة للنهوض من عثرتها الاقتصادية التي تلت انهيار الليرة في الأعوام التالية لمحاولة الانقلاب الفاشلة(19)، بالإضافة للارتباط التركي بطريق الحرير الجديد. ورغم كون الإدانات التركية تأتي كموقف سياسي مرتفع المستوى مقارنة بصمت العالم، إلا أنه وإن استمر على وتيرة الإدانة فقط فقد يُفضي بالإيغور في النهاية لعنف مضاد في مواجهة منظومة القمع الصينية، المنظومة التي وإن كانت تحتجز ما يقارب المليون إيغوري في مراكز الاحتجاز التي تقيمها كما تتوارد التقارير غير المؤكدة، فإنها تضع ما بين ثمانية ملايين -على الأقل- إلى 15 مليون إيغوري المتبقين في الإقليم، حسب التقييمات المحايدة، في مواجهة صفرية محتملة معها دون أن يكون لأي منهم ما يخسره مستقبلا.
 
 
 



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات