علاقة أمريكا وتركيا.. رسم تفصيلي لمسارها الذي يتقلب دون هدوء

علاقة أمريكا وتركيا.. رسم تفصيلي لمسارها الذي يتقلب دون هدوء
مُسند للأنباء - ساسة بوست   [ الإثنين, 04 فبراير, 2019 10:29:00 مساءً ]

منذ ساعات نشرت الجريدة التركية «Turkey News» تفاصيل محادثة هاتفية بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، جاء فيها ما يشير إلى استعداد تركيا الكامل لتسلم الأمن في مدينة «منبج السورية». وفي بيانٍ صادر عن الرئاسة التركية، جرى الإشارة إلى أن أردوغان والرئيس الأمريكي ترامب قد اتفقا على اتخاذ تدابير مشتركة لإزالة بقايا تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) من المدن السورية، وأضاف أردوغان أن تركيا لن تسمح لحزب العمال الكردستاني، وحزبه المنسوب إلى سوريا «PYD/ YPG» بزعزعة الاستقرار في شمال شرق سوريا، جاء ذلك بعدما أدرج كل من تركيا والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي حزب العمال الكردستاني بوصفه منظمة إرهابية.
 
ناقش الرئيسان خلال المحادثة الهاتفية العلاقات الثنائية بين البلدين، واهتمامهما المشترك بتوسيع العلاقات التجارية إلى الحد الأقصى، في إشارة إلى أن العلاقات التركية الأمريكية أفضل من أي وقتٍ مضى.
 
الجدير بالذكر أن العلاقات التركية الأمريكية عام 2017 قد شهدت تأزمًا عميقًا، إثر قيام واشنطن بتسليح الميليشيات الكردية في شمال سوريا، باعتبارها الحليف الأكثر قدرة على مواجهة «تنظيم الدولة الإسلامية» هناك، وذلك على الرغم من الاحتجاجات التركية لارتباط تلك الميليشيات بجماعة انفصالية كردية تصنفها تركيا منظمة إرهابية.
 
في الحقيقة، شهدت الفترة الفائتة قدرًا كبيرًا من التوتر والتخبط على فترات زمنية متقاربة، جعلت العلاقة التركية الأمريكية مضطربة، وغير مستقرة، وبلا خريطة واضحة، فهل تشير الخطوة الأخيرة إلى تحسن فعلي في العلاقات بين البلدين، أم أن ما يحدث الآن هو استكمال حالة «الصداقة حينًا والعداء حينًا»، التي شهدها البلدان طوال الفترة الماضية.
 
كيف رسم التاريخ مسار العلاقات التركية الأمريكية؟
لم تكن العلاقات التركية الأمريكية على هذا القدر من التذبذب على الدوام؛ إذ كانت تركيا هي الحليف الأقرب للولايات المتحدة الأمريكية في الخمسينات من القرن الماضي، وطوال فترة الحرب الباردة، والظهير العسكري الذي عمل بشكلٍ وثيق على مواجهة الاتحاد السوفيتي، وكان هذا التحالف نتيجة طبيعية للخوف من التمدد الشيوعي السوفيتي، والذي شكل تهديدًا لكلا البلدين على حدٍ سواء، وذلك فضلًا عن التحالفات التي تلت فترة الحرب الباردة، وأدت إلى علاقات عسكرية عميقة بين الدولتين.
 
كانت تركيا هي الدرع الاستراتيجي لخدمة المصالح الأمريكية وسياساتها في الشرق الأوسط طوال فترة التسعينات، ومن هنا تنبع أهميتها، إلا أن العلاقة بينهما قد دخلت طورًا جديدًا منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001؛ إذ شهد حزب التنمية والعدالة فترة صعود في الدولة التركية، وتمكن من حصد أغلبية الأصوات في الانتخابات البرلمانية عام 2002، وهو أول حزب ذي مرجعية إسلامية برئاسة رجب طيب أردوغان، وقد سعت تركيا حينها إلى تأطير العلاقات الأمريكية التركية بما يخدم مصالح البلدين، وليس بوصفها «متعهد تقديم خدمات»، كما كانت خلال فترة التسعينيات، وهو ما أدى إلى بروز بعض التصدعات في العلاقات السياسية بين البلدين، سواء خلال فترة إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، أو الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش، وأخيرًا جاء الرئيس الحالي دونالد ترامب.
 
كانت العلاقات بين البلدين متأرجحة، بداية من رفض مجلس النواب التركي السماح للقوات الأمريكية إبان حرب العراق بالمرور عبر أراضيها عام 2003، وعبرت واشنطن عن استيائها حينذاك من الموقف التركي، وصولًا إلى تصويت اللجنة الخارجية لمجلس النواب الأمريكي عام 2007 على مشروع قرار يؤيد أن ما حدث للأرمن إبان فترة الحكم العثماني عام 1915 «إبادة جماعية»، مما اضطر تركيا لسحب سفيرها من واشنطن، والتهديد بوقف التعاون العسكري بين البلدين، إلا أن الإدارة الأمريكية قد سعت حينها للتنصل من هذا القرار، وعبر حينها الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش عن استيائه من القرار؛ لأنه يضر بحليف سياسي أساسي للولايات المتحدة، فيقول عن ذلك وزير الدفاع الأمريكي الأسبق روبرت جيتس: «70% من الإمدادات الجوية الأمريكية، و30% من الوقود، و95% من الآليات المدرعة الجديدة المخصصة للعراق، تمر إلى قواتنا عبر تركيا».
 
هل هي قصة القس برانسون أم التحالف مع الميليشيات الكردية في سوريا؟
كانت الانتفاضة السورية أيضًا حاضرة في المشهد، وقد رسمت الإطار الشكلي للعلاقات «الأمريكية- التركية» طوال الفترة الماضية، نظرًا إلى أهمية سوريا لكل من تركيا والولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ طالبت الحكومة التركية رئيس النظام السوري، بشار الأسد، بالتنحي عن الحكم، في حين رفضت الولايات المتحدة الأمريكية أية خطوة قد تجلب حكمًا إسلاميًّا داخل الدولة السورية، ورفضت أي مقترح يتضمن حظرًا جويًّا أو منطقة آمنة للمدنيين، بحسب مركز روابط للدراسات الاستراتيجية والسياسية.
 
لكن ما زاد هوة الخلاف بين البلدين، كان تحالف الولايات المتحدة الأمريكية مع الميليشيات الكردية، باعتبارهم القوة الوحيدة القادرة من وجهة النظر الأمريكية على التصدي لـ«تنظيم الدولة الإسلامية»، في حين رأت فيهم تركيا خطرًا محدقًا على حدودها، كما رأت في بشار الأسد خطرًا مباشرًا على حكمها، وأساسًا للإرهاب في سوريا.
 
وفي أواخر عام 2016، وإثر محاولة الانقلاب الفاشلة على السلطة التركية، اتخذت العلاقات بين البلدين منحى جديدًا أكثر خطرًا، حتى توقع لها البعض مستقبلًا قاتمًا، وذلك عقب اعتقال القس الأمريكي أندرو كريج برانسون في تركيا.
 
«القس أندرو برانسون، رجل مسيحي عظيم، وإنسان رائع محب لعائلته، ويعاني بشدة في السجون التركية، ولهذا يجب الإفراج عن هذا الرجل البريء فورًا، وإلا ستضطر الولايات المتحدة توقيع عقوبات كبيرة على تركيا». *دونالد ترامب
 
كان اعتقال القس الأمريكي أندرو برانسون في 7 ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، هو ما شكل العلاقات التركية الأمريكية في ذلك الوقت، والذي انتقل للعيش من الولايات المتحدة الأمريكية إلى الأراضي التركية في تسعينات القرن الماضي، وذلك للقيام بأعمال التبشير في الكنيسة الإنجيلية ديرليس بمدينة أزمير الساحلية، وتم القبض عليه بتهمة التآمر مع أتباع الداعية المقيم في الولايات المتحدة فتح الله كولن لقلب نظام الحكم، إضافةً إلى التعاون مع حزب العمال الكردستاني، والذي صنفته تركيا منظمة إرهابية.
 
كانت الأزمة قد بدأت قبل ذلك بشهور، عندما رفضت الولايات المتحدة تسليم الداعية فتح الله كولن للقوات التركية، والذي أعلنت السلطة التركية تورطه وجماعته في عملية الانقلاب الفاشلة عليها، مما أدى إلى اتهام الأخيرة للولايات المتحدة الأمريكية بالتواطؤ معه، وتبع ذلك مجموعة من المساومات بين الجانب التركي ونظيره الأمريكي، طالبت خلالها تركيا الولايات المتحدة بتسليم كولن مقابل الإفراج عن القس برانسون، وذلك في نهاية سبتمبر 2017، إلا أن الأخيرة قد رفضت العرض، مطالبة بالإفراج عن القس دون أية شروط، وهو ما لم يحدث.
 
مع منتصف يناير (كانون الثاني) 2018، أصبحت العلاقات «التركية- الأمريكية» أكثر حدة من ذي قبل، واشتدت وتيرة التقلبات التي شهدها البلدان؛ إذ وضع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قوات عسكرية بالقرب من منطقة الحدود مع سوريا، وذلك من أجل مهاجمة الأكراد، وهم الحلفاء العسكريون للولايات المتحدة الأمريكية داخل الأراضي السورية؛ إذ تعتمد عليهم الولايات المتحدة في محاربة «تنظيم الدولة الإسلامية»، مما أدى إلى توترات غير مسبوقة في العلاقات بين تركيا، وأنقرة.
 
«في المرة الأخيرة التي تحدثنا فيها – في إشارة إلى دونالد ترامب- قال إنه سيعود إليَّ وهو ما لم يحدث، وفي غضون الأيام القليلة المقبلة سنقوم بتدمير جميع أعشاش الإرهاب في سوريا الواحدة تلو الأخرى، بدايةً من منطقة عفرين ومنبج، أما هؤلاء الذين يظهرون أنهم حلفاؤنا ويطعنونا من الخلف لن يستطيعوا أن يمنعوا ذلك». *رجب طيب أردوغان
 
وعلى الرغم من الحدة في العلاقات التي بدأ بها عام 2018 بين حلفاء الأمس، وأعداء اليوم، تركيا والولايات المتحدة، فقد تغير الوضع تمامًا في الشهر التالي فبراير (شباط) 2018؛ إذ أصدرت تركيا والولايات المتحدة بيانًا مشتركًا، وعدتا فيه بالعمل سويًا للتغلب على خلافاتهما، وأكد الطرفان التزامهما الدفاع عن أمن وسلامة كل منهما، وذلك بعد مجموعة من الاجتماعات الدبلوماسية رفيعة المستوى للعمل على حل الخلافات بين أنقرة وواشنطن. وهو ما قال عنه وزير الخارجية الأمريكي السابق ريكس تيلرسون: «من اليوم فصاعدًا، سيعمل البلدان معًا ككيانٍ واحد لحل القضايا التي نشأت في الفترة الماضية».
 
وفي محاولة لإصلاح العلاقات المتوترة، نشرت واشنطن بوست في مارس (آذار) 2018، عزم الحكومة الأمريكية بإدارة ترامب، على كبح جماح المقاتلين الأكراد، والذين كانوا العمود الفقري الذي اعتمدت عليه الحملة الأمريكية لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية؛ وقد أعرب مسؤول تركي كبير للصحيفة أن تلك الخطوة هى جوهر الموضوع، مؤكدًا أن التعهد الأمريكي إذا تم تنفيذه سيلبي مطلبًا قديمًا من الحكومة التركية، ويفي بوعد قدمته إدارة أوباما من قبل، ويضيف: «سحب الأكراد من مدينة منبج السورية، ونقلهم إلى الشرق من نهر الفرات، وذلك بعد أن أصبحت المدينة التي تبعد 25 ميلًا عن الحدود التركية بؤرة محمومة للمنافسة على الأرض، والتأثير في شمال سوريا من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا والقوى الإقليمية الأخرى».
 
في أبريل (نيسان) من عام 2018، عبر وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، عن قلقه لنظيره التركي مولود جاويش أوغلو، قائلًا إن الولايات المتحدة تشعر بالقلق من جراء قرار أنقرة شراء بطاريات صواريخ أرض- جو روسية، طراز S-400 والتي لا تتوافق مع دفاعات الناتو، مؤكدًا خطورة تلك الخطوة إن أصرت تركيا على المضي قدمًا، هذا إضافةً إلى المخاوف المرتبطة بقضية احتجاز القس برانسون.
 
وقد أبلغ جاويش أوغلو الصحافة التركية عقب الاجتماع، أن تركيا قد أتمت صفقة S-400 مع روسيا، مُضيفًا: «لكننا نحتاج إلى مزيد من الأسلحة الدفاعية الجوية، وستعمل تركيا على مناقشة إمكانية شراء المزيد من حلفائها، في إشارة للولايات المتحدة الأمريكية».
 
شهد شهر مايو (أيار) من عام 2018، تغيرًا جديدًا في العلاقات الدولية بين الولايات المتحدة، وتركيا؛ إذ تم نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس، وهو ما قابله الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بموجة من الاعتراضات على سياسات الولايات المتحدة وإدارة ترامب؛ واصفًا إياه بـ«خطأ فادح»، ولن تجني من ورائه الولايات المتحدة شيئًا، وقال ساخرًا: «لقد حصلت الولايات المتحدة على الدعم من سبعة أو ثمانية بلدان صغيرة، تجد صعوبة في إيجادها على الخريطة، وتحركت ضد 128 دولة قد عارضت القرار»، وأضاف أردوغان أن الإدارة الأمريكية قد تفقد حلفاءها نتيجة تلك الخطوة.
 
جاءت الانتخابات الرئاسية التركية، في نهاية شهر يونيو (حزيران) من عام 2018، والتي فاز فيها رجب طيب أردوغان بنسب 52% من الأصوات، قالت حينها المتحدثة باسم البيت الأبيض إن الولايات المتحدة تشجع تركيا على المضي قدمًا نحو الديمقراطية، وتحترم الانتخابات التركية، وهاتف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نظيره التركي للمباركة، وتعزيز العلاقات بين البلدين. على صعيدٍ آخر عزز أردوغان تحركاته نحو ما أطلقت عليه نيويورك تايمز «حكم الرجل الواحد»، إذ فرض قيودًا محدودة على سلطاته عقب تشكيل الحكومة الجديدة.
 
في أواخر شهر يوليو (تموز) 2018، بدأ توتر العلاقات التركية الأمريكية تتصاعد وتيرته، أفرجت حينها تركيا عن القس برانسون المتهم بالإرهاب، ووضعته تحت الإقامة الجبرية لحين موعد محاكمته، جاء ذلك بعدما ساءت حالته الصحية وخسر 25 كيلوجرامًا من وزنه داخل زنزانته التي لا تتسع سوى لثمانية أفراد، ومكث فيها هو و21 آخرين، وجاء رد الفعل الأمريكي عقب وضع القس تحت الإقامة الجبرية؛ إذ دعا نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الإفراج الفوري عن برانسون، وإلا ستواجه تركيا عقوباتٍ كبيرة.
 
«أقول للمصلين في الولايات المتحدة الأمريكي، صلوا من أجل القس برانسون، وإلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أقول: لدي رسالة من رئيس الولايات المتحدة، أطلقوا سراح القس برانسون الآن، أو استعدوا للعقوبات». *مايك بنس
 
وفي أغسطس (آب) من عام 2018 الماضي، قامت الخزانة الأمريكية بتوقيع عقوبات على وزيري العدل والأمن الداخلي بتركيا، بطلبٍ خاص من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وذلك ردًّا على اعتقال السلطات التركية للقس الأمريكي، وانهارت الليرة التركية أمام الدولار الأمريكي من 9% إلى 7.2%، وفقًا للجارديان، وأعلن الرئيس التركي أردوغان يوم 13 أغسطس أن بلاده تمر بحرب اقتصادية، سببتها الولايات المتحدة.
 
يوم 10 أغسطس، كتب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مقالة افتتاحية في صحيفة نيويورك تايمز بعنوان «كيف ترى تركيا الأزمة مع الولايات المتحدة»، أشار فيها إلى الدور الذي لعبته تركيا في تاريخ الولايات المتحدة، وكيف وقفت إلى جانبها يدًا في يد لمواجهة الحرب الباردة، وللتغلب على التحديات المشتركة، مُضيفًا أنه وفي ظل ما تواجهه تركيا الآن من عقوبات اقتصادية تضر بمصالحها، قد تضطر أنقرة للبحث عن أصدقاء وحلفاء جدد.
 
وفي 11 سبتمبر من العام الماضي، نشرت مجلة «فورين بوليسي» تقريرًا بعنوان «العلاقات الأمريكية التركية أسوأ مما قد تتخيل»؛ يشير إلى المستقبل القاتم الذي ينتظر العلاقات بين البلدين، ويحذر من تهديدات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بقطع العلاقات، مُشيرًا إلى أن الولايات المتحدة لا تتجاوز شعبيتها في تركيا 18%، في حين يراها أغلبية الشعب التركي تهديدًا للبلاد، مؤكدًا أن التحالف التركي الروسي أسهل من إصلاح العلاقات التركية الأمريكية التي وصلت إلى الحضيض.
 
في 2 أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2018، اتخذت حادثة مقتل خاشقجي وتقطيع أوصاله داخل القنصلية السعودية في أسطنبول بتركيا مكانة كبيرة في السياسة الدولية، كان خاشقجي صحافيًا يعمل في واشنطن بوست الأمريكية، وقد اغتاله فريق مكون من 15 فردًا، أحدهم كان يحمل منشارًا كهربائيًّا داخل مقر القنصلية، وقد أعلن المسؤولون الأتراك في ما بعد أن الحادثة قد سُجلت صوتيًّا، في ذلك الوقت استطاعت تركيا إدارة تلك الأزمة إدارة احترافية؛ وعلى الرغم من أن النظام التركي كان يعاني اقتصاديًّا وسياسيًّا؛ نظرًا إلى تدهور العلاقات ما بين الولايات المتحدة الأمريكية، وتركيا، إلا أن الخصمين قد استطاعا أخيرًا الوقوف والعمل معًا بشأن التسريبات التي أدانت ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وضعف موقفه السياسي، مما أدى إلى تقارب بين أنقرة، وواشنطن بعد فترة لم تهدأ من الصراعات.
 
شهدت العلاقات الأمريكية التركية تغيرًا تامًا عن الأزمة التي حلت في الأشهر السابقة، إذ وقبل منتصف أكتوبر  تم إطلاق سراح القس برانسون بعد أكثر من عامين من الاعتقال، وهو ما تم اعتباره العقبة الكبرى التي وقفت أمام تحسين العلاقات بين البلدين طوال الفترة الماضية، وأشارت المصادر إلى أن الإفراج عن القس قد جاء نتيجة لنهاية قانونية، وليس صفقة من نوعٍ ما كما توقع البعض تركية- أمريكية خاصة بمقتل خاشقجي. هذا بالإضافة إلى تحسن ملحوظ في الليرة التركية، كما أعربت واشنطن عن أن تركيا إن احتاجت صندوق النقد الدولي، ستكون أول المساعدين بشكلٍ أساسي.
 
على الرغم من تلك المبادرات الجيدة، إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية قد قامت في نوفمبر (تشرين الثاني) بتحذير تركيا من إتمام صفقة الأسلحة الروسية S-400، وإلا ستواجه مزيدًا من العقوبات الاقتصادية؛ إذ أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تحذيراته للرئيس التركي رجب طيب أردوغان من إتمام تلك الصفقة؛ خوفًا من استخدمها في إسقاط الصواريخ الجديدة من طراز F-35، إلا أن الأخير قد أعلن إتمامه الصفقة عبر شبكة الأناضول الإخبارية التركية، ووفقًا لمسئول رفيع المستوى في واشنطن، يعد انتشار الأسلحة الروسية S-400 في المناطق التي من المقرر أن تطير فيها الأسلحة طراز F-35 الأمريكية تهديدًا على الولايات المتحدة.
 
لم يمر العام مرور الكرام؛ إذ أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في ديسمبر، أن تركيا تشن عملية عسكرية ضد الأكراد في شمال سوريا خلال أيام، وهو قرار قد يحمل تحولًا في السياسات التركية الأمريكية؛ قائلًا: «سنبدأ عمليتنا لتحرير شرق نهر الفرات من التنظيم الانفصالي خلال أيام، هدفنا ليس الجنود الأمريكيين، بل الميليشيات الإرهابية النشطة في المنطقة».
 
في 31 ديسمبر 2018، أشارت المجلة الأمريكية «فورين بوليسي»، إلى أن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحاب القوات الأمريكية من سوريا 20 ديسمبر، وإعلان الميليشيات الكردية التي وقفت إلى جانب الولايات المتحدة في حربها على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، منظمات إرهابية، لا يعني سوى أن الولايات المتحدة الأمريكية تعتمد على تركيا لتحمل عبء مواجهة تنظيم الدولة.
 
وفي 14 يناير 2019، انخفضت الليرة التركية مقابل الدولار، وذلك بعدما حذر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر حسابه على تويتر من أن الولايات المتحدة الأمريكية ستدمر تركيا، في حالة قيام الأخيرة بتنفيذ تهديداتها بمهاجمة مقاتلين أكراد تدعمهم الولايات المتحدة، مُضيفًا أن بلاده ستعمل على خلق مساحة آمنة بمسافة 20 ميلًا داخل الأراضي السورية، وهو التطور الأخير للأحداث، والذي سبق تعاون بين البلدين فيما يخص مدينة منبج السورية، كان مفاجأة للكثيرين بعد أقل من أسبوع.



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات