«هآرتس»: هذه مكاسب تركيا إذا ساعد أردوغان ترامب على تبرئة ابن سلمان

ترامب يدفع في اتجاه تبرئة بن سلمان من دم خاشقجي
مُسند للأنباء - ساسة بوست   [ الإثنين, 03 ديسمبر, 2018 07:12:00 صباحاً ]

بعد مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول الشهر الماضي أكتوبر (تشرين الأول) 2018، تطورت الأحداث سريعًا على الصعيد العالمي، ما بين محاولات تركيا للخروج بمكاسب سياسية من خلال الضغط على السعودية، والمعركة الداخلية في الولايات المتحدة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من ناحية، والكونجرس وأجهزة الاستخبارات من ناحيةٍ أخرى.
 
وفي محاولةٍ للتكهن بالسيناريوهات المستقبلية المحتملة لتلك الأحداث، كتب زفي بارئيل، محلل شؤون الشرق الأوسط بصحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، تقريرًا يتحدث فيه عن أنَّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ربما يساعد ترامب لتبرئة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، المُشتبه في تورطه في الجريمة، والمكاسب التي يمكن أن تخرج بها تركيا من وراء ذلك.
 
عاد بارئيل بالزمن إلى تنصيب سلمان ملكًا للسعودية منذ ثلاثة أعوام. وذكر أنَّه في مارس (آذار) 2015، زار زعيمان من المنطقة المملكة السعودية، كان أحدهما هو أردوغان، الذي نزل في مدينة جدة واستقبله أميرها وبعض مساعديه. بينما كان الآخر هو الرئيس المصري ذو الخلفية العسكرية عبد الفتاح السيسي. لكنَّ السيسي نزل في مدينة الرياض، واستقبله الملك سلمان وفقًا للمراسم الملكية.
 
 
كان الزعيمان قد جاءا إلى السعودية لتهنئة الملك سلمان بتوليه السلطة. لكنَّ استقبال السعوديين لهما حمل رسالةً واضحة: فالسيسي، خصم أردوغان، كان هو ضيف الشرف، بينما لم يكن قد تأكَّد بعد انضمام الرئيس التركي إلى دائرة أصدقاء المملكة.
 
لكنَّ بارئيل يرى في تقريره أنَّ تلك الزيارة كانت بالنسبة لأردوغان نقطة تحول تاريخية. فبعد فترةٍ طويلة من توتر العلاقات مع الرياض، وخاصةً أثناء حكم الملك السابق عبد الله، بالإضافة إلى الخلاف بين مصر وتركيا بعد انقلاب يوليو (تموز) 2013، تلقَّى أردوغان صك القبول من السعودية، وعاد إلى أحضان العالم العربي رافعًا رأسه.
 
لكن الآن، بعد ثلاثة أعوام من تلك الزيارة، انقلبت الآية، ووصل أردوغان إلى القمة في رحلته الخطيرة المضطربة. فولي العهد السعودي محمد بن سلمان هو من يحاول الآن أن يفوز بلقاءٍ مع الرئيس التركي، والأخير ليس في عجلةٍ من أمره للموافقة على لقائه.
 
التضحية بالأكراد هي أحد السيناريوهات المحتملة
يشير بارئيل إلى أنَّ العالم كله تابع الزعيمين بترقُّب في بوينس آيرس، عاصمة الأرجنتين، حيثُ عُقِدَت قمة مجموعة العشرين أمس. فالجميع كانوا يتساءلون ما إن كان الزعيمان سيلتقيان، ويحصل ابن سلمان على المنفذ الذي يريده للهروب من ورطة جريمة خاشقجي، أم أنَّه سيضطر إلى الاكتفاء بلقاء حليفه ترامب.
 
أبدى الرئيس الأمريكي استعداده صراحةً لتجاوز مسألة مقتل خاشقجي، والاستمرار في علاقاته مع السعودية. ورفض الاستنتاجات التي توصلت إليها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بأنَّ ابن سلمان لم يعلم فقط بشأن الجريمة، لكنَّه أمر بها أيضًا. وأكد ترامب ثقته بالنظام القضائي السعودي، ودفع إسرائيل للمساعدة في الدفاع عن المملكة. والآن يريد المضي قدمًا في تنفيذ خطط بيع الأسلحة للسعوديين، التي تصل قيمتها إلى نحو 110 مليارات دولار أمريكي.
 
لكنَّ أردوغان يتخذ موقفًا معاكسًا تمامًا، ويتعامل بتأنٍ مع المسألة. فأجهزة الشرطة والاستخبارات التركية ما زالت تبحث عن أجزاءٍ من جثة خاشقجي، والشخص الذي ساهم في التخلص منها، وما زالت هناك تسجيلات لم تُسرَّب في وسائل الإعلام. ويبدو أنَّ أردوغان لديه في جعبته المزيد من الحيل، ويستغل شك السعودية في وجود أدلة لم تُنشر بعد.
 
يرى بارئيل أن سبب هذا يعود إلى أن أردوغان لا يستهدف ابن سلمان نفسه، أو السعودية في هذا الصراع، بل هدفه هو الإدارة الأمريكية. تُدرك تركيا أنَّ ترامب سيُقدم على أي شيءٍ حتى يُنقذ ولي العهد السعودي من هذه الفوضى، ويحمي المملكة من الزلزال الذي سيعصف بها إن أُثبتت مسؤوليته عن جريمة قتل خاشقجي. وفي هذه الحالة، تُصبح المطالب بمحاكمة ابن سلمان في محكمةٍ دولية أقل مخاوف ترامب.
 
أردوغان مستعدٌ لمساعدة ترامب، لكنَّه لن يفعل ذلك دون مقابل. فهو يضع عينه على التعاون الوثيق بين الولايات المتحدة ووحدات حماية الشعب الكردية في شمال سوريا، وهي الحركة المسلحة التي يراها أردوغان تهديدًا لأمن تركيا.
 
يشير بارئيل في ذلك الصدد إلى تصريحٍ لاذع أصدره أردوغان هذا الأسبوع، موجهًا حديثه إلى واشنطن على الأرجح: «هذه فرصة لهؤلاء الذين يدعون أنَّهم حلفاء، شركاء استراتيجيون يريدون تقوية العلاقات… واستمرارها في المستقبل. سنعترف بهم حلفاء لتركيا عندما يتوقفون عن حماية المجموعات الإرهابية».
 
وتركيا غير راضية في تلك المسألة عن القرار الأمريكي بإنشاء نقاط مراقبة تشغلها قواتٌ أمريكية في الجزء الغربي من الحدود السورية التركية. وفقًا لوزير الدفاع الأمريكي، جيمس ماتيس، هذه النقاط هدفها أن يتصل الجنود الأمريكيون بتركيا «لتحذيرها» من أي خطرٍ محتمل. لكنَّ تركيا أعربت عن شكوكها في أنَّ تلك النقاط الهدف منها هو حماية المقاتلين الأكراد من أي هجومٍ تركي.
 
وهدَّد أردوغان هذا الأسبوع قبل الاجتماع بمجلس الأمن القومي التركي بأربع ساعات: «اقترب اليوم الذي سنسحق فيه هؤلاء الإرهابيين». وحذرت واشنطن من جانبها القوات التركية من أنَّها إذا تحركت باتجاه شرق سوريا ربما تندلع اشتباكات بينها وبين القوات الأمريكية. لكنَّ أردوغان لا تبدو عليه أي نيةٍ للتراجع.
 
 
وفقًا لبارئيل، ترى تركيا أنَّ أكراد سوريا هم مشكلتها الأمنية الأولى. لكنَّ مسألة الأكراد تخدم مصالح أردوغان أيضًا في الانتخابات المحلية القادمة في شهر مارس (آذار)، التي تعد نوعًا ما استفتاءً على شعبية الرئيس التركي. والخطاب العدواني تجاه الولايات المتحدة، والتعامل بحزم مع الأكراد، وحماية الحدود، كلها قضايا يمكن أن يستغلها حزب العدالة والتنمية.
 
وهذا الموقف الحازم الذي يتخذه الرئيس التركي يمثل أزمةً حقيقية لترامب. وعليه الآن أن يقرر إما تفضيل تركيا على الأكراد، وإما الاستمرار في دعم وحدات حماية الشعب التي أثبتت فاعليتها في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وهذا الدعم يمكن أن يكون ذريعةً لاستمرار التواجد العسكري الأمريكي في سوريا.
 
لكن يرى بارئيل أنَّ أردوغان يحظى بالأفضلية هذه المرة بسبب قضية خاشقجي. فنظرًا إلى كون مصير ابن سلمان على المحك، ومعه نزاع الولايات المتحدة مع إيران، ربما يقرر ترامب التضحية بالأكراد لإنقاذ العلاقات الأمريكية السعودية.
 
انتعاش العلاقات التركية الروسية
يشير بارئيل إلى أنَّ تلك ليست مشكلة ترامب الوحيدة مع أردوغان حاليًا. فهو ما زال يبحث عن وسيلةٍ للتعامل مع مسألة الصفقة التي وقعتها تركيا لشراء نظام صواريخ «إس-400» من روسيا. ورغم ضغوط الولايات المتحدة ودولٍ أخرى بحلف الناتو لإلغاء الصفقة، لم يرضخ أردوغان.
 
وبالإضافة إلى خطر نظام الصواريخ، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هذا الأسبوع أنَّ روسيا وتركيا قررتا عدم استخدام الدولار الأمريكي في إتمام الصفقة. فقال بوتين إنَّه يعارض استخدام عملة أصبحت أداةً للضغط السياسي، في إشارةٍ إلى العقوبات التي فرضتها أمريكا على إيران، والتي بموجبها لا يمكن لإيران التعامل بالدولار الأمريكي من خلال البنوك الأمريكية.
 
ويأتي هذا الإعلان بعد أيامٍ من تدشين الرئيسين التركي والروسي جزءًا من خط الغاز الجديد بين روسيا وتركيا تحت الماء. وهذا الخط سيُمكِّن روسيا من بيع الغاز لدول أوروبا دون المرور بأوكرانيا.
 
جديرٌ بالذكر أنَّه منذ عامين ونصف تحولت العلاقات بين تركيا وروسيا إلى ما يشبه الحرب الباردة، بعد أن أسقطت تركيا طائرةً حربية روسية. تلقت حينها تركيا ضربةً اقتصادية موجعة، إذ أوقفت روسيا الرحلات السياحية إليها، وجمَّدت استيراد المنتجات الزراعية التركية، وأجبرت المصانع التركية في روسيا على وقف أعمالها. لكنَّ أردوغان تلقَّى الرسالة واضحةً حينها، واعتذر وتوصَّل إلى تفاهمٍ غير مسبوق مع روسيا بشأن الحرب الأهلية السورية، وطبيعة العلاقات بين البلدين، والآن يمكن له استخدام هذه العلاقات الجديدة للضغط على واشنطن، حسب بارئيل.
 
ويرى بارئيل أيضًا أنَّ جريمة خاشقجي ربما تكون قد منحت أردوغان فرصةً كبيرة في ما يتعلق بعلاقاته مع الاتحاد الأوروبي. فقبل الجريمة، كانت أوروبا ترى أردوغان زعيمًا ينتهك حقوق الإنسان انتهاكاتٍ صارخة بسبب قمعه وسائل الإعلام، وحبسه عددًا كبيرًا من خصومه السياسيين. لكنَّه الآن بعد جريمة خاشقجي يمكن أن يُصور نفسه في صورة الليبرالي الذي يؤمن بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ويتحرك وفقًا له.
 
والآن، قرر الاتحاد الأوروبي استكمال المحادثات مع تركيا بشأن انضمامها إلى الاتحاد بعد توقفٍ استمر عامين، وهذا رغم رفض تركيا طلب المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بإطلاق سراح صلاح الدين دميرتاش، زعيم الحزب الكردي في تركيا المسجون منذ عامين. وجديرٌ بالذكر أنَّ طلب المحكمة مُلزم لتركيا كونها أحد أعضائها.
 
لكنَّ بارئيل يستبعد أن تُسفر تلك المحادثات عن أي نتائج، لأنَّ معظم دول الاتحاد الأوروبي، وأولها ألمانيا، يرفضون انضمام تركيا ما دامت مستمرةً في انتهاك حقوق الإنسان وحرية التعبير، وعلى الأرجح لن تتوقف تركيا عن فعل ذلك، ففي الأسبوع الماضي فقط اعتقلت نحو 550 شخصًا «مشتبهًا» في انتمائهم لمنظمة رجل الدين فتح الله كولن، الذي يعيش في المنفى في ولاية بنسلفانيا الأمريكية.
 
حازت تركيا أيضًا إشادةً أوروبية لاستيفائها 66 من أصل 72 شرطًا وضعها الاتحاد الأوروبي للسماح للأتراك بالسفر إلى أوروبا دون تأشيرة. كان مطلب تركيا بسفر مواطنيها دون تأشيرات شرطًا أساسيًّا في الصفقة التي وقعتها مع الاتحاد الأوروبي لوقف تدفق المهاجرين إلى أوروبا عبر تركيا، وهي الصفقة التي تلقت مقابلها أيضًا 6 مليارات دولار.
 
استوفت تركيا معظم هذه الشروط بعد توقيع الاتفاقية بفترةٍ قصيرة، لكنَّ الشروط الستة المتبقية ما زالت تمثل عقبةً كبرى، إذ تتضمن تغيير القوانين التركية القاسية المتعلقة بمكافحة الإرهاب، وتوقيع اتفاقياتٍ ثنائية مع دول الاتحاد الأوروبي للتعاون في المجالين: الشرطي والقضائي.
 
يرى بارئيل أنَّ تلك الشروط تمثل عقبةً لسببين. أولهما أنَّ تركيا ترى قوانين مكافحة الإرهاب أداةً حيوية في حربها ضد الأكراد، وإطارًا قانونيًّا يمكن لأردوغان استغلاله لمواجهة خصومه السياسيين تحت ذريعة محاربة الإرهاب. وثانيهما لأنَّ توقيع اتفاقيات التعاون سيتطلب من تركيا الاعتراف بدولة قبرص اليونانية. لكن في الوقت الحالي يمكن لأردوغان اعتبار إشادة أوروبا هذه إنجازًا.
 
يختتم بارئيل مقاله بأن على أردوغان الحذر من تقلبات الأوضاع، فتركيا على وشك مواجهة أزمة اقتصادية أثناء استمتاعه بالأفضلية التي يحظى بها، إذ تتمثل هذه الأزمة في ارتفاع معدلات التضخم التي بلغت نسبة 25%، وعدم تراجع معدلات البطالة، وتردُّد المستثمرين الأجانب في العودة إلى تركيا. ولسوء حظ تركيا، النفوذ الدولي الذي يتمتع به أردوغان الآن لا يُبهر المستثمرين ولا يؤثر في البيانات الاقتصادية.
 



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات