لعبة الشطرنج الجيوسياسية.. كيف ستؤثر أزمة خاشقجي على العلاقات السعودية التركية؟

لعبة الشطرنج الجيوسياسية.. كيف ستؤثر أزمة خاشقجي على العلاقات السعودية التركية
مُسند للأنباء - ميدان   [ الأحد, 04 نوفمبر, 2018 03:23:00 صباحاً ]

بالنسبة إلى المسؤولين الأتراك، لم يكن وصف ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لبلادهم كـ "عضو في ثالوث الشر"، الذي سماه خلال لقائه خلف الكواليس مع مجموعة من الإعلاميين المصريين أوائل مارس/آذار للعام الحالي، مجرد سقطة لسان، أو تصريح "أُسيء تفسيره" كما زعم السعوديون لاحقا، حيث بدا تصريح الأمير السعودي منسجما تماما مع رؤيته لمنظومة التهديدات الأيديولوجية والسياسية التي تواجه بلاده، أو تواجه حكمه على وجه التحديد، كما أنه جاء متوافقا أيضا مع توجه سعودي يقوده الأمير الشاب ظلت تركيا تراقبه على مدار الأشهر السالفة، وتحديدا منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا منتصف عام 2016.
 
لم تنس أنقرة أبدا موقف(1) الرياض المتناقض والمزعج بالنسبة لها في تلك الليلة، حيث انتظرت المملكة بضع ساعات قبل أن تُصدر بيانا رسميا مؤازرا للحكومة التركية لم يحمل اسم أو صفة أي مسؤول سعودي رفيع المستوى، فضلا عن كونه جاء متأخرا بما يكفي، مقارنة مع البيانات المؤيدة السريعة لدول تناقضت أجنداتها السياسية مع أجندة أنقرة بشكل كبير، وعلى رأسها إيران نفسها، وفي المقابل كان الموقف السعودي الفعلي أكثر وضوحا في تغطية وسائل إعلام المملكة الرسمية وفي مقدمتها قناة العربية، والتي بعثت برسائل واضحة فهمتها أنقرة بوضوح على أنها تأييد للانقلاب العسكري، خاصة حين أجرت القناة مقابلة مع "فتح الله كولن"، المتهم من قِبل الحكومة التركية بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة.
 
لكن تركيا لم تختر أبدا مواجهة السعودية حول ما حدث في الخامس عشر من يونيو/حزيران عام 2016، وحتى وسائل الإعلام الموالية للحكومة امتنعت بشكل ملحوظ عن التعريض بالمملكة مفضلة توجيه سهامها إلى شريك السعودية الأبرز، الإمارات العربية المتحدة، متهمة(2) إياها بدفع ثلاثة مليارات دولار لدعم الانقلاب العسكري الفاشل، وكان ذلك تعبيرا واضحا عن عدم رغبة أنقرة في إشعال مواجهة مع قوة بالثقل الاقتصادي والرمزي الذي تتمتع به الرياض، وهو هدف يبدو أن السعودية كان تتبادله مع تركيا أيضا على الرغم من التصريحات "العدائية" لولي العهد السعودي، الذي قرر وضع تركيا ضلعا في ثالوث الشر المصطنع الخاص به، بصحبة كل من "إيران والجماعات المتطرفة" على حد وصفه.
 
كانت هذه التطورات مجرد فصل إضافي في لعبة دبلوماسية للسير على الحبال، لعبة لعبتها تركيا والسعودية في مواجهة بعضهما بعضا على مدار عقود بمهارة، لكن أيا من القوتين لم تدخر فرصة لتقويض الأخرى أو إحراز النقاط على حسابها في مباراة سياسية مفتوحة الجولات لحوز القيادة الإقليمية، لذا لم تكن عواقب جريمة مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول مطلع الشهر الحالي، بتخطيط وتنفيذ سعودي رسمي، لم تكن تلك العواقب في معظمها سوى إحدى جولات هذا التنافس بينهما، على الرغم من الأبعاد الإنسانية والدبلوماسية التي صبغت المشهد على كل حال.
 
بالنسبة إلى تركيا، لم تكن أزمة خاشقجي لتأتي في توقيت أكثر سوءا، حيث كانت الدبلوماسية التركية مجبرة على تخفيف لهجة خطابها المواجه للغرب بسبب أزمة العملة التي واجهتها البلاد ومعدلات التضخم العالية والعجز المتنامي في الحساب الجاري، وكان أردوغان مدفوعا لتهدئة بعض الجبهات الرئيسة وإصلاح علاقاته مع واشنطن وأوروبا، وعلى الأرجح كان آخر ما يحتاج إليه الرئيس التركي في تلك اللحظة هو أزمة دبلوماسية(3) مع السعودية.
 
ولكن، إن كان هناك سياسي واحد قادر على تحويل الجحيم الدبلوماسي لمكاسب كبيرة فسيكون أردوغان بما يمتلكه من سجل تاريخي حافل بربح تلك المعارك الإستراتيجية الدقيقة والطويلة، لذا، ومن خلال تبني قضية مقتل خاشقجي التي وقعت على الأراضي التركية، وعن طريق استغلال الأداء الدبلوماسي السعودي الهزيل، والأخطاء الساذجة والفادحة التي ارتكبها منفذو العملية السعوديون، كانت تركيا قادرة على تسريب أدلة التواطؤ السعودي قطرة قطرة واضعة ضغطا دوليا غير مسبوق على الرياض دون الدخول في مواجهة مباشرة معها، ومحوّلة ما بدا في مطلعه بوادر أزمة لها إلى فرصة لتوجيه ضربة تاريخية للمملكة، المنافس الحالي الأكبر على الزعامة الإقليمية، وفي ذلك كانت أنقرة قادرة على تسطير فصل جديد في صراع طويل الأمد تعود جذوره لقرون عديدة، حين أنهى العثمانيون الأتراك دولة آل سعود مرتين، قبل أن تنجح الدولة السعودية الثالثة في فرض نفسها فقط على أنقاض الخلافة العثمانية المنهارة خلال الربع الأول من القرن العشرين.
 
 
أزمنة الحرب
يعود تاريخ التنافس بين تركيا والسعودية إلى البدايات الأولى لحكم أسرة آل سعود، وفي ذلك التوقيت، كان الجزء الأكبر مما يُعرف اليوم بالشرق الأوسط، بما في ذلك شبه جزيرة العرب، يُحكم من عاصمة الدولة العثمانية في القسطنطينية من قِبل نخبة من المسلمين الأتراك والبلقان، وكان الحجاز تحديدا يحظى بالقدسية الدينية لكنه لم يكن موقعا لأي نفوذ سياسي أو ثقافي.
 
وبشكل أوضح، لم يكن(4) هناك كيان سياسي أو مركزي في شبه الجزيرة العربية في ذلك التوقيت، وكانت سواحل الجزيرة الإستراتيجية خاضعة لسيطرة العثمانيين، ولكن قلب الجزيرة القاحل كان مقسما فعليا بين سلطة العديد من القبائل المتحاربة والمتناحرة، وقد استمر ذلك النهج حتى الأربعينيات من القرن الثامن عشر، حين ظهر في نجد، البقعة الأكثر انعزالا في وسط جزيرة العرب، داعية إسلامي يُدعى "محمد بن عبد الوهاب" أعاد إحياء أكثر الآراء الإسلامية تشددا، مع التركيز على محاربة المسلمين المرتدين والمبتدعين والذين لم يشملوا الشيعة فقط، ولكن أيضا العثمانيين الذي اتُّهموا بالابتداع في الدين بسبب اعتناقهم التصوف وتوقير الأضرحة.
 
وسرعان ما تحالف ابن عبد الوهاب مع زعيم قبلي هو محمد بن سعود، الذي يُعرف اليوم على أنه مؤسس العائلة السعودية الحاكمة، حيث تعهد ابن عبد الوهاب بتقديم الدعم الديني لابن سعود، في مقابل تعهد الأخير بخدمة الأجندة الدينية للوهابيين، وبفضل ذلك التحالف تأسست أول دولة للسعوديين في الدرعية، وتوسعت من حيث الحجم والقوة حتى إنها أغارت على الشيعة والحامية العثمانية في كربلاء عام 1801 ولاحقا في مكة، ما دفع العثمانيين للتدخل لسحق دولة السعوديين الأولى عام 1812 عبر حلفائهم في مصر، قبل أن تتدخل فرقة عسكرية عثمانية وتقوم بتدمير عاصمة السعوديين في الدرعية، وتسوق عبد الله بن سعود آخر ملوك الدولة السعودية الأولى إلى إسطنبول حيث تم إعدامه علنا أمام مسجد أيا صوفيا الشهير في قلب عاصمة الخلافة العثمانية.
 
بالنسبة إلى العثمانيين، كان السعوديون مجرد قتلة(5) متعطشين للدماء أقاموا دولتهم على المجازر وذبحوا أكثر من 4000 من الشيعة في كربلاء ودمروا الأضرحة في مكة والمدينة، وبخلاف ذلك فإنهم كانوا منازعين محتملين للسيطرة العثمانية على الأماكن المقدسة في مكة والمدينة، التي منحت العثمانيين الشرعية الإسلامية لمئات الأعوام، فضلا عن قدرتهم على تهديد الطرق البحرية للتجارة عبر البحر الأحمر والخليج العربي، لذا فإن تدمير الدولة السعودية الأولى واستعادة الأماكن المقدسة من أيدي السعوديين كان حدثا يستحق الاحتفال من قِبل السلطان العثماني، الذي قرر الإفراج عن جميع المدينين في السلطنة احتفالا بسقوط دولة السعوديين.
 
ولكن آل سعود لم يختفوا تماما، وخلال العقود التالية أعاد فرع مختلف من الأسرة بناء الدرعية والسيطرة على شبه الجزيرة العربية، ما دفع العثمانيين للتدخل من جديد عام 1871 والسيطرة على سواحل الخليج والمنطقة الشرقية من الدولة السعودية الحالية لحرمان السعوديين من العمق الجغرافي، وخلال الأعوام التالية دعم الأتراك قبيلة آل رشيد المنافسة لآل سعود، وتولى آل رشيد مهمة الإطاحة بالدولة السعودية الثانية عام 1891.
 
إبان ذلك الصراع مع الدولة السعودية الثانية، وقعت حركة الإصلاح العثمانية الكبيرة المعروفة باسم "التنظيمات العثمانية"، وهي فترة استورد فيها العثمانيون العديد من المؤسسات والمعايير الغربية التي سمحت للإمبراطورية العثمانية بأن تصبح في نهاية المطاف ملكية دستورية مع برلمان منتخب، كما أقدم العثمانيون على إلغاء تجارة الرقيق التي كانت آنذاك تجارة مربحة بين الساحل الأفريقي ومدينة جدة، وبناء على طلب من تجار العبيد الغاضبين، أعلن شريف مكة "عبد المطلب بن غالب" أن الأتراك "قد أصبحوا كفارا، وأن دماءهم صارت مشروعة".
 
ساهمت(6) الإصلاحات العثمانية بشكل ملحوظ في إضافة المزيد من التوتر إلى العلاقات بين الدولة العثمانية وقبائل العرب، فلم تكن الإصلاحات الديمقراطية توجها مألوفا بالنسبة إلى عرب الجزيرة، وبحلول الحرب العالمية الأولى، كان عبد العزيز بن سعود، وريث أسرة آل سعود ووالد العاهل السعودي الحالي سلمان، يقاتل من جديد ضد الأتراك بدعم من البريطانيين، حيث ساهم في طرد العثمانيين من جزيرة العرب نهائيا، وبحلول عام 1924 كانت الخلافة العثمانية قد انهارت، وبعد ذلك بستة أعوام تأسست دولة آل سعود الثالثة رسميا عام 1932.
 
زمان التقارب
ورغم أن تركيا الحديثة حرصت على إقامة علاقة دبلوماسية مع الدولة السعودية منذ تأسيسها مطلع الثلاثينيات، فإن كلا الدولتين لم تبد اهتماما بعلاقات جادة مع الأخرى حتى قدوم الستينيات من القرن الماضي. فخلال العقود الأولى من عمر الدولة التركية الحديثة، كانت النخبة الحاكمة العلمانية في تركيا أكثر حرصا على إقامة علاقات إستراتيجية واقتصادية مع الغرب مقارنة بالعالم العربي، حيث انضمت تركيا إلى حلف الشمال الأطلسي في عام 1951، وحرصت على إقامة علاقات قوية مع إسرائيل، الأمر الذي أدى إلى خيبة أمل تجاه تركيا في السعودية والدول العربية الأخرى.
 
ولكن دفة الأمور بدأت في التغير في الستينيات والسبعينيات مع اتخاذ (7) تركيا خطوات جادة لتعزيز علاقاتها مع محيطها الإسلامي والعربي. ففي عام 1969، انضمت تركيا إلى منظمة المؤتمر الإسلامي التي تأسست برعاية السعودية لتكون صوتا جماعيا موحدا للعالم الإسلامي، ولاحقا في عام 1975، أقامت تركيا علاقات دبلوماسية مع منظمة التحرير الفلسطينية مما أدى إلى انفراج في العلاقات التركية السعودية، لكن هذا التحسن لم يدم طويلا بسبب انحياز السعودية لسوريا في نزاعها مع حزب العمال الكردستاني.
 
كان الصعود والهبوط في مسار العلاقات السعودية التركية محكوما بشكل أساسي بالاضطرابات السياسية في تركيا، وتحديدا الانقلابات العسكرية في الثمانينيات والتسعينيات التي سببت تغيرات مستمرة في توجهات الحكومات التركية، حيث كانت علاقات أنقرة مع محيطها الإسلامي تميل إلى التحسن خلال فترات الحكم المدني، وتحديدا خلال حكم الأحزاب الإسلامية المرتبطة ثقافيا بعمق تركيا الإسلامي، وكانت تميل إلى السوء خلال فترات حكم الجيش، ولذا لم يكن من المستغرب أن يكون صعود حزب العدالة والتنمية صاحب المرجعية الإسلامية إلى السلطة في تركيا عام 2002، مع أجندة يقع في القلب منها إعادة بناء علاقة تركيا مع جيرانها العرب والمسلمين، جاء ذلك الصعود مصحوبا بانفراجة ملحوظة في العلاقات بين القوتين المتنافستين، خاصة وأن التغيرات التي طرأت على ميزان القوى في المنطقة آنذاك قد أسهمت في تعزيز هذا التوجه بشكل ملحوظ.
 
ففي عام 2003، غزت الولايات المتحدة العراق دافعة(8) تركيا والسعودية أقرب إلى بعضهما البعض، حيث شعر البلدان بالخطر من سقوط العراق في قبضة طهران التي زاد نفوذها السياسي والعسكري بسبب الغزو وتداعياته، ليس في العراق فقط ولكن في سوريا ولبنان، ونتيجة لهذه التغيرات زار الملك السعودي الراحل "عبد الله" تركيا في عام 2006 ليصبح أول زعيم سعودي يزور تركيا منذ عام 1966، قبل أن يكرر زيارته مرة أخرى في العام التالي، وفي المقابل، زار رئيس وزراء تركيا أردوغان السعودية أربع مرات خلال الفترة بين عامي 2009 و2011.
 
أسهمت هذه الاتصالات الدبلوماسية المكثفة في تعزيز نمو الاستثمار والتجارة بين البلدين، حيث ارتفعت الصادرات التركية إلى السعودية من 397 مليون دولار في عام 2000 إلى 3.6 مليار دولار في عام 2012، وجاء هذا الارتفاع تزامنا مع نقل العديد من رجال الأعمال السعوديين أنشطتهم من الولايات المتحدة والغرب بحثا عن وجهات أكثر أمانا في أعقاب أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 وتداعياتها.
 
عهود التنافس
ورغم الانفراج الملحوظ في العلاقات، لم تفلح أيام العسل السعودية التركية في محو آثار الماضي القاتم للمنافسة بين القوتين، حيث لم يدخر السعوديون جهدا في أي وقت لإزالة ما تبقى من الماضي العثماني لبلادهم، وأبرز مثال(9) على ذلك ما وقع عام 2002، حين أقدم السعوديون على تدمير قلعة "أجياد" التاريخية العثمانية في مكة، في مشهد برهن على أن السعوديين لم ينسوا أبدا ماضيهم القاتم مع الأتراك.
 
فمنذ مطلع القرن الحادي والعشرين، وعلى الرغم من الهدوء النسبي في علاقات السعودية مع تركيا، فإن الرياض كانت قد بدأت تشعر بتهديد ليس فقط من قِبل إيران، ولكن أيضا من قِبل خصمها السني التركي. فمن وجهة نظر الرياض، كانت الأوضاع قد بدأت تتغير عن العقود الذهبية السالفة، وتحديدا خلال التسعينيات من القرن الماضي، حين هيمنت السعودية على كل شيء بفضل اقتصادها القوي القائم على النفط، ففي ذلك الوقت كان الناتج المحلي الإجمالي للسعودية يتجاوز تركيا وإيران، وكانت إيران قد خرجت مدمرة للتو من حرب دامية استمرت ثماني سنوات مع العراق، في حين كانت تركيا تتعامل مع أزمة اقتصادية طاحنة صنعها انقلاب عسكري دموي مطلع الثمانينيات واستمرت آثارها لحينها.
 
كان عالم ما بعد الحرب الباردة مثاليا من وجهة نظر السعودية، ولكن مثاليته تلك لم تدم طويلا، فمع مطلع الألفية بدأت(10) السعودية تفقد جزءا كبيرا من تفوقها النسبي مع نمو الاقتصاد التركي ليصبح أكبر بـ 25% من الاقتصاد السعودي، في حين طورت كلٌّ من تركيا وإيران مجمعات صناعية تسمح لها بصناعة أسلحة في الداخل، وهي ميزة تفتقر إليها الرياض، ومع خسارة تفوقها الاقتصادي جنبا إلى جنب مع خسارة سابقة للتفوق العسكري والسكاني، أصبحت السعودية قوة من الدرجة الثانية مقارنة بتركيا أو حتى بإيران.
 
تزامن ذلك مع تكثيف تركيا جهودها لاستعادة الزعامة في الشرق الأوسط، مع ترسيخ حزب العدالة والتنمية الذي يعتبر نفسه وريثا للعثمانيين لسلطته، ومحاولة(11) تركيا استخدام العامل الديني كأداة لتعزيز قوتها الناعمة على غير المسلمين في العالم الإسلامي، وفرض نفسها كزعيم للسنة، وهو دور لطالما سعت المملكة لاحتكاره، من بنت قوتها الإقليمية بوصفها القوة السنية الأبرز مدفوعة في ذلك بمصالح جيوسياسية وأسباب أيديولوجية.
 
شيئا فشيئا، بدأت الاختلافات الأيديولوجية بين أنقرة والرياض تقفز إلى الواجهة من جديد، ويمكن إرجاع هذه الاختلافات بشكل أساسي إلى مصدريين رئيسين، أولهما الخلفية العرقية المتباينة لكلا الدولتين، فعلى الرغم من أن كلا الشعبين من المسلمين السنة، فإن السعوديين ظلوا ينظرون للأتراك على أنهم من نسل العثمانيين الذين حكموا الجزيرة على حساب العرب، وعلى الرغم من أن حكم الأتراك كان متوافقا مع النظرة الإسلامية العالمية، فإن الصراع التاريخي بين القوتين، والتأثير اللاحق للقومية العربية، جعلا السعوديين أقل قبولا للتفوق التركي.
 
في المقابل، فإن الأتراك الإسلاميين ينظرون إلى السعودية في جزء منها كمقاطعة عثمانية سابقة وكدولة قامت بالأساس على أنقاض الإمبراطورية الإسلامية، ورغم ذلك فإن هذا الاختلاف العرقي لا يُعد هو العامل المهيمن أيديولوجيا على التنافس السعودي التركي، بقدر مصدر الخلاف الآخر المتمثل في شكل الإسلام الذي يمثله كل طرف، والنموذج الذي يعتبره كلٌّ منهما شرعيا للحكم الإسلامي.
 
فمع قيام الدولة السعودية وتغلغل نفوذها استنادا إلى التقاليد الوهابية، أو التقاليد "السلفية" بالتسمية السعودية، والتي تنظر إلى نفسها كنسخة وحيدة صالحة من الإسلام، استثمرت المملكة الكثير من الوقت والمال في تعزيزها بشكل عابر للحدود، وفي المقابل فإن هذا النموذج لقي أشكالا متباينة من المقاومة من المسلمين في الدول السنية الكبرى الأخرى، وكانت مصر هي الخصم الأول للإسلام السعودي، فرغم تشارك حركة الإخوان المسلمين مع السعودية في النظرة السعودية إلى الإسلام، ورغم انخراط السعوديين مع الإخوان المسلمين في شبكات إسلامية هدفت لاجتذابهم للوهابيين ومواجهة المد القومي الناصري، فإن هذه الدولة السعودية صارت تنظر لاحقا إلى هذه الشبكات الإسلامية بوصفها تهديدا للنموذج السعودي بسبب دعوتها إلى الديمقراطية وتداول السلطة والانتخابات، وهي مفاهيم تُشكّل تقويضا لأسس شرعية الحكم السعودي وتُمثّل أحد أكبر التهديدات لحكم آل سعود.
 
وبخلاف مصر والإخوان المسلمين، مَثّلت تركيا التحدي الأكبر(12) لخطط التفوق الإقليمي للسعودية، بسبب استناد المفاهيم "التحررية" للإسلام التركي إلى نموذج دولة تركية قوية وفاعلة جيوسياسيا واقتصاديا، وفي الوقت نفسه لها جذور إسلامية غنية وتأثير تاريخي على الثقافة العربية. وبخلاف النموذج السعودي، فإن النموذج الإسلامي التركي المتنوع المذاهب والقادر على المزج بين السنة الأحناف وبين الصوفيين الروحيين وحتى الشيعة العلويين، يبقى أكثر اعتدالا بالمعايير الأيديولوجية وأكثر تسامحا ومرونة بالمعايير الشعبية، ما يجعله أكثر قابلية للانتشار وتحصيل الدعم من قِبل الغرب كنموذج للتعايش بين الإسلام والديمقراطية الليبرالية، وكحل وسط بين القادة المستبدين وبين الإسلاميين المتشددين.
 
في ضوء ذلك يمكننا أن نفهم لماذا مَثّل الربيع العربي كابوسا بالنسبة إلى الرياض، بعد أن حملت تظاهرات شباب العرب جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة في دول عربية حيوية على رأسها مصر، ما شجع المواطنين العرب على الانخراط في السياسة بشكل يهدد شرعية النظام الملكي السعودي، وفي الوقت نفسه فإن منافسي السعودية في أنقرة تعاملوا مع صعود الإسلام السياسي كفرصة محتملة يمكن من خلالها لتركيا تشجيع حكومات متوافقة أيديولوجيا معها، وقد زاد هذا الموقف من الارتياب السعودي تجاه أنقرة بشكل ملحوظ.
 
في نهاية المطاف، تم إجهاض الربيع العربي في مصر بدعم سعودي، وأُسقطت حكومة الإخوان عبر انقلاب عسكري قاده الجنرال "عبد الفتاح السيسي" في القاهرة، وتباعدت الهوة بين الرياض وأنقرة، ودخل الطرفان في مواجهة بالوكالة لإثبات السيادة على السياسات الإقليمية. ولكنّ الجانبين سعيا(13) إلى تقارب عابر مطلع عام 2015 مع صعود الملك سلمان إلى السلطة في السعودية، حيث التقى أردوغان مع الملك في لقاء حظي بتغطية واسعة في العام نفسه، وبدا أن المحادثات بين الطرفين صممت لطي صفحة التنافس في الشرق الأوسط ما بعد الربيع العربي.
 
كانت الأسابيع الأولى لحكم الملك سلمان بن عبد العزيز قد أعطت انطباعا أوليا(14) حول أن المملكة في طريقها لتخفيف سياساتها المتشددة تجاه الإسلام السياسي والربيع العربي، سعيا لترسيخ موادرها وتوجيه الطاقات السنية نحو محاربة إيران، وبدا أن البلدين توصلا إلى تسوية تعمل بموجبها الرياض بشكل أوثق مع أنقرة في سوريا، مقابل اتخاذ تركيا لموقف أكثر تشددا تجاه إيران، وبالفعل أطلقت تركيا حينها سلسلة من التصريحات القاسية التي انتقدت سياسات إيران "الطائفية" في الشرق الأوسط، كما أعلنت بشكل مبدئي تأييدها للتدخل العسكري السعودي في اليمن، واستعدادها(15) لتقديم المساعدات اللوجستية للعملية إذا لزم الأمر، كما انضمت إلى تحالف السعودية الإسلامي الذي تم الإعلان عنه في نهاية العام نفسه.
 
بيد أن ذلك التقارب العابر لم يدم طويلا، فمن ناحية بدأت أنقرة تشعر برغبة السعودية في فرض هيمنتها على شركائها الإقليميين، ومن ناحية أخرى أدركت تركيا أنها لا تشعر بذات القلق السعودي حول الطموحات الإيرانية رغم التنافس الافتراضي بين القوتين، كما أنها لا تتبنى ذات النظرة الطائفية السعودية تجاه الشيعة، والأهم من ذلك أن أنقرة كانت مهتمة(16) بالحفاظ على علاقات جيدة مع إيران التي تُمثّل مصدرا مهما للطاقة للأولى، وتشترك معها في النظر إلى التهديد المشترك من قِبل الأكراد، ومع إرهاصات التقارب بين تركيا وبين روسيا حليف إيران الأقرب، بدا أن تركيا وإيران قادرتان على الوصول إلى صيغة لتحديد مناطق نفوذهما في سوريا، وقد أزعج ذلك السعودية بوجه خاص لأنه خفف الضغط على طهران في منطقة الهلال الخصيب، وسمح لها بالتركيز على مواجهة المملكة على جبهات أخرى في مقدمتها الخليج واليمن.
 
في الوقت نفسه، كانت تركيا تتبين شيئا فشيئا أن سياسات سعودية "سلمان" صارت أبعد ما تكون عما تشتهي سفن أنقرة، مع استقرار حكم نجل ولي العهد السعودي ابن سلمان، وما رأته أنقرة تأثيرا إماراتيا على السياسة السعودية أدى إلى تفاقم التوترات بين العاصمتين، كما أن مساعي ابن سلمان لتقديم نفسه كمصلح ووجه للإسلام المعتدل قد أثارت حفيظة أنقرة، التي صارت تنظر إلى الأمير الشاب باعتباره بيدقا للسياسة الأميركية، وصارت تنظر إلى تعهده بتحويل السعودية إلى دولة معتدلة كخطة أميركية لتقويض الإسلام الحقيقي.
 
بالنسبة إلى أردوغان والحكومة التركية الحالية، لا يُعدّ مفهوم الإسلام المعتدل الذي تدعو إليه الملكيات الخليجية سوى قناع فاسد يستخدمه القادة الاستبداديون للحفاظ على مصالحهم مع واشنطن، ثم تُعيد الولايات المتحدة توظيفه لدعم الحكام القمعيين في إخضاع خصومهم السياسيين، من أجل ذلك كان تأييد تركيا للربيع العربي غير متعلق فقط برفض النظام الإقليمي الذي يُهيمن عليه الاستبداديون العرب، ولكنه مرتبط أيضا برفض الهيمنة الغربية على الشرق الأوسط.
 
وقد أسهم هذا الخلاف المفاهيمي، إضافة إلى الجهود المتواترة الذي بذلها نظام ابن سلمان لتقويض السياسات التركية، في إثارة المزيد من مخاوف أنقرة، فبخلاف موقف السعودية المثير للجدل من الانقلاب السعودي الفاشل منتصف عام 2016، فإن أنقرة أحست بالخطر مع تواتر الأنباء حول سعي الرياض لتقويض مصالح تركيا في المنطقة من خلال تقديم الدعم(17) لحزب العمال الكردستاني في سوريا، الذي تعتبره أنقرة خصمها اللدود، وبعد إعلان المملكة مساهمتها بمبلغ 100 مليون دولار لتثبيت الاستقرار في الأراضي التي يسيطر عليها الأكراد السوريون.
 
معارك تكسير العظام
من خلال إدراك هذه المخاوف، يمكننا بشكل كبير تفسير سائر مواقف تركيا الرامية إلى تقويض سياسات المحور "السعودي-الإماراتي-المصري" المناهض للربيع العربي، وفي مقدمتها موقف أنقرة من حصار قطر منتصف العام الماضي، حين تدخلت لمساعدة الدوحة في التغلب على آثار الحصار، ليس فقط من خلال جسر جوي مفتوح لتزويد قطر بالبضائع، ولكن أيضا من خلال تفعيل اتفاقية يعود تاريخها إلى عام 2014 بإنشاء قاعدة عسكرية تركية في قطر، وقيام تركيا بنقل 5000 جندي إلى الدوحة لرفع تكاليف أي عمل عسكري سعودي إماراتي محتمل ضد قطر على خلفية الحصار، وبالتالي إجهاضه قبل أن يبدأ.
 
من ضمن سائر دول مجلس التعاون الخليجي، تحظى قطر بعلاقة خاصة مع تركيا، فمع كونها بلدا ثريا ذا عدد قليل من السكان، وحد أدنى من مخاوف المعارضة الداخلية، لم تحمل الدوحة أي مخاوف تجاه نموذج الديمقراطية الإسلامية الذي تتشاركة أنقرة وجماعات الإسلام السياسي، وقد مكّن هذا التفرد قطر من اتباع سياسة خارجية أكثر استقلالية شملت دعم جماعة الإخوان، وهو الدعم الذي كان المحرك الرئيس للحصار السعودي الإماراتي على الدوحة. وقد وضع تحالف الحصار "إغلاق القاعدة العسكرية التركية" كأحد المطالب الرئيسة لرفع الحصار، حيث كان من الواضح أن الرياض قد بدأت تلمس آثار سياستها العدوانية التي جلبت القوات التركية إلى قلب الجزيرة العربية، تزامنا مع تعزيز أنقرة لوجودها العسكري في الحيازات العثمانية السابقة، وخاصة في القرن الأفريقي على طول البحر الأحمر، وهي المنطقة التي تعتبرها السعودية مجالا حيويا لنفوذها الحالي.
 
لم تكتف أنقرة بذلك فحسب، لكنها سارعت إلى استثمار آثار الحصار والمخاوف التي أثارها لدى دول الجوار السعودي من الهيمنة السعودية، فاستثمرتها من أجل اختراق(18) مناطق نفوذ سعودية خالصة، بما في ذلك تعزيز تعاونها العسكري مع سلطنة عمان، وتوقيع اتفاقيات تعاون عسكري مع الكويت ومن قبلها الأردن، والتي أعلنت مؤخرا عن إلغاء بندين في معاهدة السلام مع إسرائيل وسط أحاديث عن تقارب مع تركيا، وعن سخط أردني حول موقف السعودية تجاه الفلسطينيين يدفع عَمّان إلى أحضان أنقرة، وكدليل رمزي على هذا التقارب، قام المركز الملكي للبحوث الإستراتيجية، ومقره العاصمة الأردنية، مؤخرا بتسمية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كأكثر المسلمين تأثيرا في العالم، على رأس 500 شخصية في كتابه السنوي.
 
لكن أنقرة، وفي خضم سعيها لتقويض النفوذ السعودي الإقليمي، لا تبدو راغبة(19) في قطع أحبال الصلة مع الرياض بشكل تام على كل حال، فمع دعمها لقطر في مواجهة الحصار، كانت تركيا حريصة على بيان أن قواتها في الدوحة ليست موجهة بحال ضد مجلس التعاون الخليجي، ولم تعلق تركيا بأي حال على الدعم السعودي للأكراد، وامتنعت عن انتقاد الحرب السعودية في اليمن، ومن المرجح أن الاعتبارات الاقتصادية هي العامل الأبرز وراء إحجام أردوغان عن تصعيد التوتر مع الرياض في ظل الأزمة الاقتصادية التي تواجهها تركيا.
 
لكن هذا الحرص لم يكن ليعوق مساعي تركيا لاكتساب أكبر قدر ممكن من الفوائد من قضية خاشقجي، وهي أزمة تُجسّد معالم التنافس التركي السعودي جميعا، بداية من إشكاليات السيادة لوقوع الجريمة على الأراضي التركية، مرورا بهوية الضحية خاشقجي نفسه الذي كان من كبار المدافعين عن الربيع العربي والنموذج الديمقراطي التركي نفسه، وانتهاء إلى وقوع القضية في قلب لعبة الشطرنج التركية السعودية الأميركية المعقدة في الشرق الأوسط.
 
ومن خلال السيطرة على الرواية السائدة حول القضية، واستخدام التسريبات على شكل دفعات مركزة ومتقطعة، كانت تركيا تهدف إلى وضع ضغط تدريجي ليس فقط على الحكومة السعودية، ولكن على الإدارة الأميركية الداعمة لها والتي جعلت من ولي العهد السعودي محورا لسياستها في الشرق الأوسط، وقد كانت هذه الزيادة في الأهمية السعودية تعني بالضرورة تخفيضا(20) من دور تركيا في السياسة الأميركية، وهو ما لم تكن تركيا لتسلّم به على كل حال.
 
يلعب أردوغان على ما يبدو لعبة مزدوجة إذن، فمن ناحية يرغب في الضغط على الحكومة السعودية دون أن يخاطر بتدمير العلاقات معها، بعد أن خلص تقييمه على الأرجح إلى أن مشكلة أنقرة الملحة ليست مع السعودية كدولة ولكن مع شخص "محمد بن سلمان" نفسه، حيث ترى أنقرة على ما يبدو في أزمة خاشقجي فرصة كبرى لإضعاف ابن سلمان وإدخال تغييرات على السياسة التركية وربما استبدال زعيم به تماما أكثر ملاءمة للمصالح التركية، ولكن أنقرة تعلم في الوقت نفسه أنها غير قادرة على الوقوف بمفردها حاليا -من الناحية المالية قبل كل شيء- أمام الرياض، لذا فإنها صممت تكتيكاتها لتحويل القضية إلى أزمة عالمية كبرى وليس مجرد قضية ثنائية بين البلدين.
 
ومن خلال تدويل القضية، يبرز الشق الآخر للعبة التركية وهو وضع ضغط دولي عام، وضغط أميركي بشكل خاص، على ولي العهد السعودي من أجل إحداث ثغرة في الإستراتيجية الأميركية المتمحورة حول "ابن سلمان"، ومن أجل اجتذاب واشنطن عمدت أنقرة إلى إطلاق سراح قس أميركي محتجز في تركيا منذ عامين بتهمة الإرهاب، وهو شخص كانت تركيا ترفض تماما الإفراج عنه سابقا رغم كل ضغوط ترمب، وفي الوقت نفسه قامت أنقرة بتمرير الأدلة التي تمتلكها إلى العديد من المؤسسات الأميركية لتقويض جهود ترمب المحتملة لتجاهل الأزمة من أجل إنقاذ حليفه السعودي الشاب.
 
ولكن مغامرة أردوغان، إن صحّت بكل جوانبها، تبقى محفوفة بالعديد من المخاطر، فمن ناحية من غير المرجح أن تفلح سياسة أنقرة في التركيز على الملك سلمان وتجاهل ولي العهد الذي يمتلك مفاتيح القوة الحقيقية في البلاد، فضلا عن كون الرهان على تدخل الملك المريض ضد نجله المفضل يبقى مغامرة غير محسوبة في أفضل الأحوال وخطة عبثية في أسوأها، فضلا عن الاحتمالات الأخرى المتعلقة بالنتائج التي سيسفر عنها الصراع في واشنطن حول مستقبل ولي العهد السعودي، حيث يتطلب الأمر أدلة دامغة وضغوطا مكثفة من أجل دفع ترامب للتخلي عن حليفه بشكل تام، أو حتى ممارسة ضغوط مكثفة عليه، وهي أدلة لم يثبت(21) بعد امتلاك تركيا لها حتى الآن بشكل رسمي، وإن أعلنت أنقرة في كل مناسبة أنها تمتلكها بالفعل في انتظار اللحظة المناسبة لاستخدامها.
 
لكن، وعلى الرغم من هذه الاعتبارات، يبدو أن تركيا ترى أن رهانها يستحق المخاطرة، وأنها ربما لن تحظى بفرصة أخرى لتحقيق مثل هذا القدر من المكاسب وممارسة نفوذ جوهري على سياسة أبرز منافسيها الإقليميين، وربما توجيه ضربة قاصمة لمحور الثورات المضادة بقيادة السعودية والإمارات والقاهرة، وخلف ذلك كله ترسيخ سمعتها في العالم الإسلامي كقوة أخلاقية رشيدة لا تقبل المساومات وقائد جدير بوراثة القيادة الروحية في العالم الإسلامي، لكن هذه السياسة -شأنها شأن جميع السياسات المغامرة- يمكن أن تفرز نتائج عكسية تماما، ويمكنها إن ضلت طريقها أن تضع تركيا في مرمى نيران ملك شاب قادم ذي سياسات متهورة ولا يزال يخطط لحكم بلاده لعقود طويلة قادمة.
 



لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات