الخيل العربي.. نبع الجمال الذي لا ينضب

مُسند للأنباء - ساسة بوست   [ الإثنين, 07 مايو, 2018 09:15:00 مساءً ]

وَقَد أَغتَدي وَالطَيرُ في وُكناتِها ** بِــــــمُــــــنـــــــجَــــــرِدٍ قَــــيــــــدِ الأَوابِـــــــدِ هَـــــيـــــكَـــــــلِ
مــــكـــــــــــرٍّ مــــــفـــــــــــرٍّ مُــــقـــــبِــــــــلٍ مُـــدبِـــــــرٍ مَـــــعًــــــا ** كَجُلمودِ صَخرٍ حَطَّهُ السيلُ مِن عَلِ
*من معلقة امرؤ القيس

تبيّن أبيات المعلقة الشهيرة السابقة مدى عمق العلاقة بين الخيل والعرب، فالصداقة بينهما تمتد آلاف السنين، وبعد استئناسهم لها أطلقوا عليها اسم «الفرس»، والذي يجمع بين الذكر والأنثى من الخيل؛ وسر التسمية أنهم عرفوا بذكائهم أنها خير صديق للفارس في أرض المعركة، فأحبوها وأكرموها بالغ الكرم.

وتميزت العشرة بين العرب وخيولهم بالود؛ حتى شاع اسم «الحصان العربي» في أرجاء الدنيا، وأصبح رمزًا معروفًا للفروسية والجمال، والوفاء والشجاعة والشهامة، فهذا النوع من الأحصنة يساند صاحبه في أعتى المواقف، ولا يتركه في أعنف المعارك؛ بل ويفديه بنفسه حتى يُنقذه.

كما كان من الشائع عند أشراف العرب تباهيهم بخدمتهم لخيولهم، والتي من حبهم لها أسموها بالخير، وقيل إن لفظ «الحصان» جاء من الحصن؛ لأنه يُعد حصن صاحبه وأصل بيته، وزاد تعلق العرب بخيولهم إلى درجة أنهم كانوا عندماتجدب الأرض يطعمونها قديد اللحم، وإذا ما جفت المياه أسقوها اللبن، ولا بد أن خلف هذه التضحية تفاصيل غنية نستكشفها سويًا.

يدعونَ عنترُ والرّماحُ كأنّها ** أشطانُ بئرٍ في لُبانِ الأدهمِ

*عنترة بن شداد واصفًا شجاعة حصانه وتلقّيه ضربات الرماح عنه

يُقال إن أصلها يعود إلى جياد النبيّ سليمان

انتشرت الخيول البرية بوجهٍ عام في أوروبا وآسيا خلال العصر الحجري القديم، منذ أكثر من 4 آلاف عام، وتحديدًا في الألفية الثانية قبل الميلاد عندما دُجِّن الحصان في بلاد الرافدين، واعتنى الإنسان بتربيته، وكان أول استخدام له في الجيوش من جانب الآشوريين الذين أدمجوه في فِرق الخيالة، التي كانت الأساس الذي يستند عليه جيشهم في الهجوم على العدو.

أما الخيل العربي فتعتبر من أقدم سلالات الخيل، وقد ذكر ابن الكلبي في كتابه «أنساب الخيل»، أنَّ أصل جميع الخيول العربية تعود إلى الحصان العربي «زاد الركب»، الذي يشاع في الأساطير أنه من بقية جياد النبي سليمان بن داود، ومما شاع عنها أنها كانت تسابق الريح، وتقطع شرق الأرض وغربها.

وعندما ظهرت الخيول في الجزيرة العربية كانت بمثابة العنصر الأساسي للانتصار في المعارك، ففي حين قدمت الجمال اللحوم والحليب والجلود لشعب الصحراء، تميزت الخيول بسرعتها العالية، وقدرتها الفائقة على المناورة؛ مما جعلها مثالية لشن الغارات المفاجئة التي كانت السمة المميزة لحروب البدو.

تكيفت هذه الخيول بمرور الوقت مع البيئة الصحراوية؛ مما أدى إلى اكتسابها صفات جعلتها فريدة من نوعها بين بقية السلالات، فبما أن المراعي كانت شحيحة توجَّب على الخيول العربية أن تتَّصف بالصبر والقوة، إذ تعلمت الاكتفاء بأكل الأعلاف غير التقليدية، مثل التمور، وشربت حليب الإبل؛ مما جعلها تتمتع حتى اليوم بصحة جيدة، وتتطلب كميات من الغذاء أقل من الخيول الأخرى.

تعددت تسميات الخيول عند العرب حسب جنسها وسنها، ويمكن إجمالها في: المهر والفطيم والحولي والفلو أو الفلوة، والحِجر والأصيل، ويُطلق لفظ «المُهر» على الفرس الصغيرة للذكر والأنثى حتى أوَّل شهر يناير (كانون الثاني) الذي يلي ولادتها، أما «الفطيم» فهو «المُهر» بعد فطامه أي بعد مرور ثمانية أشهر على ولادته وحتى أول يناير التالي، بينما «الحولي» يعني الحصان الفتي من أول يناير وحتى 31 ديسمبر (كانون الثاني) من السنة التي تلي ولادته، ويعد الحصان ذكرًا كان أم أنثى فلو أو فلوة لغاية يناير في السنة الخامسة، بينما الحِجر هي الفرس التي تعد للتناسل، وأخيرًا الأصيل يُخص به الكريم من الخيل الذي يأتي من أب وأم من أصلٍ راقٍ.

تفاخُر العراب بعراقة أنسابها

اشتهر العرب بحرصهم على أنساب الخيل مثلما يحرصون على أنسابهم، فوجد بينهم النسَّابة الذي كانوا يتناقلون بينهم نسب كل شخص، وأيضًا كان هناك من يهتمُّون بأنساب الخيل فينسبونها إلى آبائها وأمهاتها، لدرجة أنهم ألفوا كتبًا كاملة تقتصر على هذا الأمر، مثل كتاب «أنساب الخيل» للمؤرخ الشهير ابن الكلبي، وكتاب «أسماء خيل العرب وأنسابها وذكر فرسانها» للأديب الغندجاني، وشاع بين فرسان العرب افتخارهم بأن خيولهم من نسل أحصنة شهيرة مثل: «زاد الراكب»، أو «أعوج»، أو «لاحق»، وغيرها من الخيول الأصيلة.

تندرج تحت سلالة الحصان العربي الأصيل خمس فصائل رئيسية هي: الصقلاوية، وأم عرقوب، والشويمات، والكحيلات، والعبيان، واستمر العمل بهذا التقسيم حتى نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، عندما لجأ بعض المستشرقين المهتمين بسلالات الخيول العربية إلى تقسيمها إلى ثلاث أنواع كبيرة تحتها 20 فصيلة رئيسية تتفرع إلى 240 فصيلة أخرى، لكن رغم ذلك فإن المهتمين بالحفاظ على نسب الجواد العربي الأصيل، يرجعون أصوله من جهة الأم إلى 23 فصيلة رئيسية تعود في النهاية إلى ثلاثة أنواع هي:

1- الكحيلان: يتميز بكبر حجمه وضخامة عضلاته، وطابع جماله الذكري لدرجة أن إناثه لها هيئة ذكورية جميلة، ويعتبر من أفضل الخيول العربية المُخصصة للركوب، ولونه الشائع هو البني، وهناك فروع عديدة له أشهرها: الحمداني، والهديان، والشويمان، والودنان، والعجوز، والهيفي، والجلابي، والروضان، والكروشان.

2- الصقلاوي: على عكس الكحيلان فإن جمال هذا النوع يتخذ طابعًا أنثويًّا حتى في الذكور، ويُعرف برأسه الجميل وجبتهه العريضة، وكذلك التقعر الواضح في المنظر الجانبي للأنف، وأبرز ما تفرع من سلالاته: الجدراني، والعبيان، والدهمان، والريشان، والتويسان، والجدراني بن سودان، والشيفي، ويُقتنى غالبًا لأغراض الاستعراضات والاحتفالات.

3- المعنكي: تتصف الخيول المعنكية بأنها ضخمة الحجم طويلة الرأس والعنق، وينفرد وجهها عن الخيول العربية الأخرى بزواياه الكثيرة، ومنخريه الخشنين، وعينيه الصغيرتين، ويظل هذا النوع من الخيل محافظًا على أصالته طالما بقي دون اختلاط بالسلالات الأخرى، أما إذا ما حدث ذلك فإن قيمته تتدهور وأصالته تزول.

من المثير أننا نجد الخيول المعنكية في أوروبا، فقد دخل إلى هناك الكثير من سلالاتها، وفي مقدمتها الحصان العربي الشهير «عربي دارلي»، وهو جد السلالة المعروفة بخيول «الثوروبريد»، وأهم الفروع الأصيلة للمعنكي: الجلفان، وأبو عرقوب، والسمحان، والسعدان، وأيضًا السبيلي، والهدروج، والمخلدي، والكوبيشان، ويُعد أجود الخيول العربية المُستخدمة في العدو والسباق.

ملامحها الجميلة لا تُخطئها العين

تغزَّل الشعراء العرب القدماء في قصائدهم بمحاسن الخيول العربية، وكان لهم حقٌّ في ذلك؛ إذ إنه يتميز عن بقية أنواع الخيول بحسن طلعته وجمال هيئته، متمتعًا بالعديد من التفاصيل منها:

1- الأذنان: يُفضل في الجواد العربي رقة أذنيه وطولهما وانتصابهما ودقة أطرافها، ويُعرف الجواد النجيب بكثرة حركة الأذنين، والخيول عمومًا من الحيوانات قوية السمع لدرجة أنها تسمع وقع حوافر الخيول القادمة من بعيد، وتنبه أصحابها إلى القادمين عليهم خاصةً في الليل.

2- العينان: لا بد أن تكونا كبيرتين كحلاوين تشعّان حدة، صافيتين براقتين رقيقتي الجفنين، وأيضًا بعيدتي النظر، تدلان على الذكاء وسرعة الانتباه، مع اتساع ما بينهما وبعدهما عن الأذن.

3- الجبهة: تعبر عن سر جمال وجه الحصان، ويستحسن أن تكون عريضة مسطحة واسعة مستديرة الأطراف، فجمال جباه الخيول العربية تقوم على الدوائر لا على الزوايا الموجودة في الخيول الإنجليزية.

4- الخدان: ينبغي أن يكونا مستديرين أملسين ليس فيهما الكثير من اللحم، مع ظهور عروقهما واتساع بين الحنكين، ومما يُعتد به باعتباره ميزة جمالية أن يكون عظمتا الناهقين بارزتين، وهما العظمتان الموجودتان في الخدين تحديدًا تحت مجرى الدمع.

5- الأنف: يتميز الحصان العربي بأن أنفه يكون مستقيمًا طويل القصبة متصلًا بالجبهة دون تحدب، أما فتحتا الأنف فيجب أن تكونا متسعتين حتى تسهل على الجواد التنفس، لأن الجواد العربي معروف بطاقته الرئوية الهائلة، ولا يستطيع استعمال فمه للتنفس.

6- الفم: يستحب أن يكون الفم طويل الشدقين من الجانبين، فالشدق الطويل يدل على قوة الحصان في السباق، كما أن رقة الشفاه مهمة أيضًا لأنها تساعده على قضم العلف.

7- الناصية: تُطلق على ما استرسل من الشعر على الجبهة، ومنبتها بين الأذنين، وتسميها العرب بالسعف لوجه الشبه بينها وبين سعف النخيل، ويفضل أن تكون طويلة ولها لون صافٍ، ويتمثل دورها في وقاية عيني الجواد من أشعة الشمس والغبار والحشرات.

أسعارها في المزادات متفاوتة.. والأنثى أغلى من الذكر

تتعدَّد المزادات العربية لبيع الخيول الأصيلة، لكن أشهرها المزاد السنوي الذي تقيمه مزرعة الزهراء في مصر، والتابعة لوزارة الزراعة، وهي من أكبر مزارع تربية الخيول العربية في الشرق الأوسط، وعلى سبيل المثال وصل عدد الخيول المشاركة في مزاد عام 2016 إلى 37، ما بين حصان ومُهر، وانتقت اللجنة المختصة في وزارة الزراعة تلك الخيول وفق معايير مختلفة أهمها: السن، والسلالة، والحالة الصحية.

ويرتفع سعر الأنثى عن الذكر بشكل واضح؛ لعدة عوامل أبرزها: الجمال والرشاقة واستخدامها في إنتاج المهور، بالأخص إذا كانت مشهورة بجودة إنتاجها، وذلك يتحدد على أساس سلالة كل فرسة، بالاطلاع على اسم الأب والأم والجد والجدة، وكل هذه المعلومات تكون مُسجلة في كشف أسماء الخيول المشاركة في المزاد.

تباينت أسعار الخيول المُباعة في المزاد، فكان أقل سعر سجله الفرس «ذكر» الذي بيع مقابل 14500 جنيه (820 دولارًا أمريكيًّا)، لكن الأسعار ارتفعت تدريجيًّا بعد التنافس الشديد من جانب الحاضرين؛ فبيعت الفرسة «هداية» بمبلغ 117 ألف جنيه (6632 دولارًا أمريكيًّا)، وكانت الفرسة «تسنيم» أعلى سعرًا منها فبلغ سعرها 550 ألف جنيه (31177 دولارًا أمريكيًّا)، أما خاتمة المزاد فكانت مع المُهرة «أجفان» بالغة الجمال، والتي دفع مُشتريها 999 ألف جنيه (56628 دولارًا أمريكيًّا)، وهو يؤكد ما ذكرناه بخصوص ارتفاع أسعار الإناث عن الذكور.

وإلى جانب مصر تعد دولة الإمارات العربية المتحدة من الدول الرائدة عربيًّا في إقامة مزادات الخيول التي تُعقد بها سنويًّا، ومن أشهرها مزاد «لؤلؤة دبي للخيل»، الذي تُشرف عليه مؤسسة «الإمارات لمزادات الخيل»، وانعقد المزاد الأخير في مارس (آذار) 2018، ضمن فعاليات الدورة الرابعة عشر من معرض دبي الدولي للخيل، وحقق مبيعات إجمالية تجاوزت 5 ملايين درهم إماراتي، أي ما يعادل 1,360,758 دولارًا أمريكيًّا.

وتصدرت الخيول المباعة المهرة العربية «وجود» البالغة من العمر سنة واحدة، وبلغ سعرها 500 ألف درهم (136075 دولارًا أمريكيًّا)، جاءت بعدها المهرة «إيه جي سيدوني» وعمرها ثلاث سنوات، وبيعت بمبلغ 210 آلاف درهم (57151 دولارًا أمريكيًّا)، أخيرًا المركز الثالث كان من نصيب المهر «دي ابن رشيم» الذي بلغ ثمنه 200 ألف درهم (54430 دولارًا أمريكيًّا).

من جانبه أكد فيصل الرحماني مدير مؤسسة «الإمارات لمزادات الخيل»، أن المزاد نجح في استقطاب أصحاب الخيول والإسطبلات، بالإضافة إلى التجار من جميع أنحاء الدول العربية، وقد تنوعت الخيول المباعة فكان منها المُعدة للإنتاج، والخاصة بالسباقات السريعة، وكذلك المخصصة للمنافسة في مسابقات الجمال.




لمتابعة الموقع على التيلجرام @Mosnednews


تعليقات