لقد خرقنا السفينة..

الاربعاء, 06 فبراير, 2019 08:04:00 مساءً


وقفت في شهور الثورة الأولى على منصة التغيير وخاطبت الحضور قائلا: إن أي مصير ستؤدي إليه هذه الثورة هو أرحم من بقاء هذا النظام. كنت حينها قد فكرت في مختلف السيناريوهات المحتملة لهذه الثورة، وأجريت في ذهني موازنات نظرية بين خيار بقاء النظام وخيار الفوضى التي قد يقودنا إليها عامداً، واخترت الفوضى!. مقتنعاً بأن الفوضى مع الأمل خير من الموت البطيء تحت نظام تتعاظم سلطته الاستبدادية بمرور الوقت وتتطور بثبات لتصل في نهاية المطاف إلى المستوى الفاشي الذي نرى بعض نماذجة في الإمارات ومصر اليوم.
 
لقد كنت أرى هذا المصير رأي العين. وكنت متأكدا من أننا ذاهبون إليه إذا لم يقطع اليمنيون أمامه الطريق بأي شكل وبأي كلفة. كنت أتخيل العائلة الصالحية المالكة بعد عشرين عاما من ذلك الحين وقد أزاحت كل القوى الوطنية والاجتماعية التي أمامها وأعلنت ملكية مستترة وحكمت بقبضة البوليس والحرس الجمهوري. وأسأل نفسي: من سيزيحها يومئذ؟ ومن سيحمينا منها؟. كان ذلك هو المصير المحتوم الذي سينتهي إليه نظام صالح. وكل صاحب مخيلة جيدة يعرف أن ذلك النظام كان يسير ببطء إلى تلك النهاية التي نرى بعض ملامحها في التجربة الحوثية اليوم.
 
لم يفعل نظام صالح من الجرائم ما فعلته الحركة الحوثية نعم، ليس لأنه أطهر منها وأشرف، وإنما لأن شروط الواقع آنذاك لم تكن تسمح له. وما تفرعنت الحوثية بعد ذلك إلا لأن هذه الشروط قد سمحت، وتلك العوائق قد زالت. فلم يكن من السهل على صالح أن يطلق الفرعون الذي بداخله في ظل وجود قوى اجتماعية وعسكرية وحزبية معارضة تمتلك بعض شروط القوة. لكنه كان يدخر قوته وينميها ليوم الفصل، اليوم الذي يفرض فيه توريث السلطة بالقوة. لولا أن ثورة فبراير قد عاجلته وأربكت خططه.
 
كنت أقول في نفسي: إذا تمكن صالح من تحقيق حلمه ستختفي كل أحلامنا، ويقضى على نضالات اليمنيين طوال العقود الماضية في تحقيق أهداف الجمهورية، وسيتمنى اليمنيون حينئذ لو أن نيزكاً سماويا حل باليمن ليخلصهم من نظام حكمه. إذن فلنتحمل تبعات هذه الثورة مهما كانت ما دامت تحمل أملا في التغيير. كان الأمر أشبه بموقف طبيب يعلم أن المريض الذي بين يديه سيموت ببطء وستزداد آلامه مع الوقت، ما لم يتدخل ببتر العضو الفاسد، في حين أن المريض نفسه كان يفضل الموت البطيء على بتر عضوه!.
 
وها أنذا أقولها مرة أخرى: لقد تخلصنا من أسوأ الخيارات، ولم نحصل على ما نريد، لكننا في المقابل لم نخسر كلياً، وما زال الأمل قائماً، ليس فقط بتحقيق حلمنا اليمني بل بتغيير المنطقة برمتها. وأفعال المجتمعات لا تحسب بأعمار الأفراد بل بأعمار المجتمعات. ولنتذكر دائماً أن خرق السفينة قد يكون ضرورياً لإنقاذها مما هو أسوأ.